إصابته لم تمنعه من متابعة مشوار الحياة.. الجريح حسن خضور يؤسس مشروع « سوق الياسمين الالكتروني »

ملقى على ظهره من إصابة ليست الأولى أمام ناظريه سقف الحجرة البسيطة وأصوات عائلته حوله تغمره بحنين لا ينضب وكل ما يتمناه ألا يرى السقف مجددا..؟! الجريح الملازم أول حسن خضور وحيدُ أهله طالب في كلية التربية قسم معلّم صفّ بقي في فرعه سنة واحدة ليغادرها شغوفا وراء حلمه في الدخول إلى الكلية الحربية رغم محاولات عديدة من الأهل لثنيه عن الالتحاق فأمضى سنتين من الدراسة مع رفاق السلاح ليتخرج منها ضابطاً و كان يقول دائماً لأهله ورفاقه :»أنا وحيد لأهلي ولكنني لست وحيداً لوطني ويجب أن أكون في صفوف الجيش العربي السوري لأدافع عنه». و بعد تخرجه من الكلية عام 2015 شهر تشرين ثاني خاض مع رفاق السلاح ضد الإرهابيين معارك عديدة وذاق الحصار لأيام طويلة مع رفاقه ونجا منها بإصابة طفيفة في قدمه لم تعقه عن العودة إلى ساحة المعارك من جديد فكانت حادثة إصابته البليغة بعدها خير شاهد على شجاعته .
إصابة بليغة
يقول الجريح البطل حسن : في الثامن من أيار عام 2016 و في الساعة العاشرة صباحا تغير كل شيء في حياتي حجب نور الشمس عني.. لم أعد أرى شيئا.. حاولت أن أتلمس الأرض باحثا عن معشوقتي بندقيتي في جواري لكن أطرافي خانتني وظننت للوهلة الأولى أنني أحلم وغبت عن الوعي ولم يوقظني سوى صوت أمي.. صوت الحياة في داخلي.. حيث كان الطبيب يخبرها في المشفى عن وضعي الصحي:»إن حسن وضعه حرج لقد أصيب بشلل ثلاثي الأطراف وخزل بيده اليمنى وكسر في فقرتين بالرقبة وتكدم بالرئة اليسرى وضيق في التنفس.. وقد لا يعيش».

بكاء أمي أوجعني
كان الخبر هيّناً عليّ فما عشته ورأيته في ساحات المعارك وإصابات رفاقي أمامي والأصعب استشهادهم أيضاً كلّ هذا هوّن عليّ الخبر فمن عاش الموت مرّات عديدة لن يكترث لإصابة تترافق بأمل الشفاء والقوّة والعزيمة فرغم أن حزن أهلي و صوت بكاء أمي كان يوجعني أكثر مما فعلت بي طلقة القناص الإرهابي لكنني هدأتهم بكلماتي و ابتسامتي وأريتهم قوتي وتفاؤلي وهم دوماً بجانبي أبي وأمي وأخواتي الخمس.

تفاصيل آخر معركة
دراما واقعية تجسد جزءا مما يعيشه حماة الأرض والعرض في المعارك يرويها لنا حسن كما هي : يوم السبت الساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً جاءنا أمر بمهمة اقتحام في حلب وبالتحديد «خان طومان» حيث اجتمع رفاق السلاح وطلب مني قائدي و رفاقي أن أبقى لأنني وحيدٌ لأمّي ولأن المهمة خطيرة فقلتُ لهم :»أنا جئت لأخرج لمثل هكذا مهمات وسأقاتل فيها»و اتصلت بوالدَيّ وكأنني أودعهم طمأنت والدتي و قلت لها: المسلحون جبناء ولايستحقون حرق أعصابك أما والدي الصابر بدأ بالدعاء وكأنه يدري ما يحصل وما سيحصل فرغم هدوئه أنا أعلم أن قلبه كان يشتعل نارا… صعدنا جميعنا إلى السيارات التي ستنقلنا إلى مكان المعركة والاقتحام و رأيت أعدادا وعتادا لم أكن لأتصوره لولا الإرهابيين بالإضافة للحصار الشديد وعدم قدرة أي دعم في الوصول إلينا و لكن قررنا عدم الاستسلام والاعتماد على الشجاعة الذاتية و بوصولنا وتمركزنا بدأ صديقي يلتقط لي فيديو وقال لي غنّي ياحسن فضحكت وهممت بالغناء :»نحن لانهزم ..ومنا عطاء الدم ….سقى نخلة الصبر» و فجأة اختفى صوت صديقي المبتسم والمشجع لغنائي هممت إليه وإذ هو مصاب فورا نزعت الشال الذي على رأسي وأنا أقول له ابق معي … ابق بكامل تركيزك …. لا تغمض عينيك …. بدأت بجمع أسلحة أصدقائي المصابين أنا ورفيقي حسان جاسيّا على ركبتي هنا تغير مجرى حياتي كلّه ….
طلقة قناص
طلقة قنّاص دخلت جسدي بينها وبين شريان الحياة في قلبي بضعة ميلمترات مشهد يرتسم في ذهني وكأنه البارحة صراخ أصدقائي بأعلى صوتهم «حسن استشهد» حسبت الموت زارني حينها فقدت التركيز بما حولي كليّا وبدأت أفكر :»هل سيأخذوني لبيت أهلي ثم يصلّوا عليّ ويدفنونني ..فكرت بردة فعل أهلي وظننت نفسي أني متّ ثم عرفت أنني لازلت على قيد الحياة عندما أدركت صوت أصدقائي ونقاشهم وإصرارهم على نقلي وعدم تركي بالرغم من الرصاص والقذائف والوضع السيء آنذاك تمكنت من رفع جفوني فنظرت إليهم وعلموا أن روحي أبت على فراقهم فحملني صديقي على ظهره ليسعفني وسار بي وبعدها أصيب بقدمه وارتطمتُ بكل قوة على الأرض وهذا سبب إصابتي بتكدم في الكبد بعدها بدأوا بسحبي من يداي وظهري يرتطم بالصخور والحجارة» .

سوق الياسمين الالكتروني
إصابة حسن لم تمنعه من متابعة مشوار الحياة بإرادة المقاتل الصلب.. تعالى على جراحه وانخرط في المجتمع رغم إصابته وأسس «سوق الياسمين الالكتروني» وجعله مجانا لأبناء الشهداء والجرحى…ووجد حسن وعبر مواقع التواصل الاجتماعي فرصته للعمل ويقول:»وجدت فرصتي عبر إطلاق مشروع الكتروني خاص بي تحت عنوان «سوق الياسمين» في حزيران الماضي حيث لاقى انتشارا وإعجابا كبيرين فقد تابعه في شهر واحد 65 ألف شخص وأتمنى تطوير هذا السوق لتقديم المساعدة للجرحى وأبناء الشهداء عبره مجانا» موضحا أن المشروع بات يدر عليه مبالغ مالية تساعده في علاجه ودراسته.

المشروع مستمر
أضاف حسن : لا أطيق أن تمرّ لحظة من عمري مهما كانت ظروفي دون إفادة حقيقية لي إغناءً لروحي وإشباعاً لرغبتي في الحياة والإرادة والاستمرار و مواقع التواصل الاجتماعي أكبر وأهم نافذة تمكنني من إيصال فكرتي فجاءت فكرة العمل على إنشاء صفحة فيسبوك عامة والترويج لمحال تجارية وأهم النصائح الطبية والإعلانات عن المنح الدراسية والدعايات للشركات والفنادق ومحلات الألبسة والمطاعم والهدايا والمعارض والمقاهي داخل حمص وخارجها وروابط تحميل ألعاب رائجة وأهم الأخبار التي تهم جميع شرائح المجتمع والمردود الربحي يأتي فقط من الإعلانات عن المواد العائدة لمحال أو شركات أو مشاغل ومشاريع صغيرة عن طريق نشر منشور يومي أو عدد معين من المرات في الأسبوع فالجريح بحاجة لعلاج دائم ومستمر ومصاريف تفوق ما يقدمه الراتب الشهري و مشروعي مستمر ويكبر يوماً بعد يوم بدعم أصدقائي ومن حولي وأنا أعول عليه كثيراً لإكمال حلمي في التعليم حيث قدمت لي جامعة خاصة منحة دراسية و أنا أنظر للأفق المشرق البعيد بالدراسة والشفاء والعزيمة وكل الحبّ والنية الصافية و أتمنى على الشباب دعم صفحتي لأنهم بذلك يقدمون عونا لجريح وطن أحب أن يكون عونا لهم.

سبب تسمية المشروع
وعن سبب تسمية مشروعه باسم «سوق الياسمين الالكتروني» يبين الجريح حسن أن الياسمين أبيض والبياض نقاء وصفاء وراحة ورائحة عطرة كما أنه تزامن مع شفاء سيدة الياسمين السيدة أسماء الأسد التي تدعمنا وتساعدنا بشكل دائم».

الاهتمامات والمواهب
يلجأ حسن للكتابة لأنها الوحيدة التي تستطيع إفراغ كلّ شعور غير مريح ينتابه فقد كتب عن والديه وحاله التي وصل إليها و عن الحياة والأمل و كتب الكثير من خواطر تسرّ القلب والقرّاء وبكلمات أدبية محمّلة بمشاعر سامية كما أنّ حسن يحب التعلم على الغيتار فهو يملك غيتاراً ويحفز نفسه على الشفاء ليستطيع العزف عليه علّ موسيقاه كما يقول :تكون رصاصاً لكلّ من ظنّ أنّ جرحانا لا يملكون شغف الحياة وفقدوا دورهم في إعمار البلد» و هو مشجع دائم لكلّ المباريات وعاشق لكرة القدم التي كان يلعبها كثيراً .

كلمة أراد إيصالها
أتوجه لكلّ عائلة يطرق بابها أحدٌ من أخوتي الجرحى بقصد طلب يد فتاة للزواج عندما يرفضونه بسبب حالته إذا رفضوه وهذا حقٌّ لهم أن يحذروا من كسر خاطره وجرح قلبه بأجوبتهم اللاذعة والتي تشعر هذا الجريح أنه كطفل يطلب من الغرباء أما لترعاه وتقوم بكافة احتياجاته فهذا الجريح بحاجة لسند وحبيبة قبل أن يكون بحاجة لخدمات …هذا الجريح قدّم جسده وبصره وكلّ ما يملك لتنعموا بسلام وأمان فرفقاً به وبذويه .
أخيرا
حسن صاحب العزيمة منقطعة النظير وصاحب الابتسامة التي لاتجفّ مهما خانتها فصول الحياة هو اليوم اسم في مواقع التواصل الاجتماعي ومكانته كبيرة بقلب كلّ من عرفه ودعوات أهله ترافقه وحنان أخوته الخمس وطيبة قلبه التي يشهد عليها الجميع المنعكسة على وجهه البهي يختم بالقول لجريدة العروبة :إن الندبة التي تركتها الرصاصة في جسدي وفي أجساد كل زملائي في الجيش ستبقى مفخرتنا كل العمر لأنها عنوان قدسية الرسالة التي قاتلنا الإرهاب من أجلها وهي حماية سورية والدفاع عنها لتبقى قوية».

العروبة – أريج لؤي علي

المزيد...
آخر الأخبار