جَماليَّاتُ التَّشْكيْلِ الدّلاليَّ للّونِ… فيْ شعرِ عبدِ الكريمِ النَّاعم

يدخل اللون في الشعرعبر تراكيبه اللغوية عنصراً من عناصر التشكيل الجمالي الذي يحيل على تشعّب دلالات وتنوع رؤى ، فإذا كان اللون من عناصر الفن في الرسم ، فإنه في الوقت ذاته عنصر من عناصر الجمال في اللغة ، فما الشعر إلا رسم بالكلمات حسب رأي الشاعر: نزار قباني ، ومن هذا المنطلق يسهم اللون في مدّ الشعر بطاقات خلاقة لما للون من معان ثابتة في الذهن ، واستقرار في التفكير الشعبي المتوارث ، فإلى أي حدّ استطاع الشعر أن يستثمر اللون في اشتغالاته الفكرية ليكون عنصراً بنائياً يدخل صميم اللغة ويعبر عن معان إضافية تجعل من اللون النواة الدالة التي تفتح الأفق لدلالات أكثر إيحاء وتعددية ؟
وسنتوقف عند ديوان الشاعر عبد الكريم الناعم الموسوم بـ : ( آفاق) لنرى توظيف الشاعر لتقنية اللون في شعره
لجأ الشاعر إلى استخدام اللون في قصيدته الموسومة بـ ( الدوري الأبيض) ولضرورة الدراسة سأقسم النص إلى مقطعين يقول في المقطع الأول :
أيَّامَ طفولتيَ (الخضراءَ)
وكانَ الأفْقُ فسيحاً
والرّيفُ (بدايةْ)
شاهدْتُ بعيني دوريّاً أبيضَ
يأتي منْ زُرقةِ غَرْبِ البيدرِ
يدْخُلُ صُفْرَة َشرْق ِالدُّكَّانْ
أعْجَبَني المَنْظرُ
وهْوَ غريبٌ
فَجَريْتُ ألاحِقُهُ
حالَتْ ما بينَ خُطايَ وطَلَّتِهِ
تلكَ الجدرانْ
حدَّثْتُ رفاقي … أهلي عنْ دوريٍّ
أبيضَ
قالوا : « لا يوجَدُ دُوريٌّ أبيضُ «
وانصرفوا
كيفَ أُصدِّقُهم وأُكَذِّبُ نفسي
وأنا مَنْ شاهدَ؟!!
عيني أصْدَقُ منهم
لِيَكُنْ
النَّبْعُ أمامي
أأُصَدِّقُهم وأقولُ الماءُ سرابٌ
وأنا العطشانُ المُغْتَرِفُ ؟ !!
وتَراكَمَتِ الأيَّامُ
دخلْتُ طفولتيَ (البيضاءَ)
وصارَ الأفقُ جريحاً
والرّيفُ ( نهايةْ)
والدُّوريُّ الأبيضُ يعبُرُ صُفْرَتَهُ
شَرْقَ الدُّكّانْ
وأنا
أتْبَعُهُ
أعبُرُ هاتيكَ الجدرانْ
وفي هذه القصيدة يُسهم اللون في بناء الهيكل العام للقصيدة ، كما يشكل عنصراً من عناصرها البنائية ، فقد ورد اللون وصفاً في استهلال العنوان ، ليمنح طير الدوري هذا اللون الذي يبدو غير مألوف بالنسبة لهذا الطير ، فيما يتدرج اللون وفق تدرج زمني تتفق والمراحل العمرية للشاعر ، ويمكن أن نقسم القصيدة إلى قسمين يتفقان مع المرحلة العمرية التي يصف فيها الشاعر المشهد ، ففي المقطع الأول هو مرحلة الطفولة التي ورد فيه اللون الأخضر وصفياً يعبر عن النماء والخير، وهو ما ينسجم مع دلالة الألفاظ في الحقل الدلالي الذي يتشكل في صياغته الأسلوبية مع اللون ، فنجد ألفاظ: (طفولتي ، الأفق ، فسيح ، بداية ) وكلها مفردات تشير إلى التفاؤل ، ليُسهم اللون الأبيض الذي يلتحم وصفاً بالدوري الذي يقدم من زرقة غرب البيدر ، وهنا يدخل اللون الأزرق بدلالته التعينية التي تحيل على السماء وقت الغروب ، ليعبّر باللون الأصفر عن تغير الجهة التي آل إليها ذلك الدوري ، فكانت تلك المدة الزمنية كفيلة بتغير دلالة اللون ، فما بين الغرب والشرق ثمة فارق في المشهد ، وتغير في الألوان يتابع لتتحول بعد مرور الأيام ، وتعاقب السنوات ، لتصبح الطفولة بيضاء اللون بفعل الزمن الذي يحوّل الشباب إلى مرحلة متقدمة من الزمن ، فيما بقي الشاعر طفلاً في روحه ، لكن اللون تغيّر ، ومع التغير اللوني ثمة انعكاس حتى على معالم الجغرافية الطبيعية حول الشاعر ، إذ نجد الحقل الدلالي للألفاظ يتغير بشكل مختلف ، فتميل المفردات إلى الحقل الدلالي الخاص بالفناء ، وهو ما عبّرت عنه ألفاظ : ( جريح ، نهاية ، يعبر ) فيما يبقى المكان هو الأثر الوحيد والمعلم الباقي على تلك السيرة التي كان اللون فيها بداية ونهاية القصة عنصراً من عناصر بنائها التشكيلي الذي أسهم عبر تشكيلاته الدلالية بالتعبير عن عمق الهوة الفارقة بين زمنين ، ونمطين من الحياة المعيشة لشخصية واحدة لم يتغير فيها إلا اللون الذي جاء عنصر بناء معرفي إلى جانب توظيفه الجمالي في بناء الصورة ، وتشكيل معمارية القصيدة المشهد .
فثمة تحولات ما بين المقطع الأول في القصيدة ، والمقطع الثاني ، وهي تحولات على المستوى الثابت الساكن ، فكل دوال هذا المقطع أسماء ، والاسم يفيد الثبات والسكونية التحول الأول يشير إلى تحول عمري تجلى من خلال اللون الذي انتقل من الأخضر إلى الأبيض صاحبه تغير على مستوى الطبيعة من الأفق الجميل الفسيح إلى الأفق المعتل الجريح ، وعلى مستوى المشهد العام للمكان الريف الذي كان في البداية بكل ما تحيل عليه اللفظة من فطرة ونقاء إلى نهاية بما تعنيه من انتهاء لمظاهر جمال الطبيعة في الريف ، وثمة تحول على مستوى الفعل الحركي الذي يكشف فعله التغييري في ( الدوري ) الذي كان في المقطع الأول يأتي ثم يدخل ، وهما فعلان ينتميان إلى الأفعال الحركية بدلالتهما اللفظية ، كما يعبران عن الاستمرار بدلالتهما الزمانية ، فيما نجد ( الدوري) يعتمد على فعل حركة واحدة ،وهي المتجسدة بالفعل (يعبر) بما يحيل عليه من دلالة على التجاوز ، وقطع مرحلة زمنية لم يعد بالمقدور العودة إليها ، إنها المرحلة العمرية التي راكمتها الأيام ، وتعاقبت عليها السنوات لتتحول إلى ذاكرة في مخيلة الشاعر ، لا حقيقة تتراءى أمام عينيه مثلما كان الحال في البداية ، وهذا ما تؤكده نهاية القصيدة التي تكشف عن تغير الجغرافية للمكان الذي كانت فيه الجدران السد الحائل بين خطى الشاعر وملاحقته للدوري ، فيما يبدو المكان خالياً من تلك الموانع التي كانت في الطفولة ، ليجد الشاعر المسار أمامه مفتوحاً والدرب سالكة ً ، ليعبر تلك الجدران التي لم تعد إلا ذكريات في شريط الذاكرة ، لنتساءل عن حقيقة ذلك ( الدوري ) هل هو الطير الحقيقي أم أنه الحلم الذي يداعب مخيلة الشاعر في أمل ما ربما كان يراود مخيلة الشاعر ؟ وهو يحاول أن يتبعه في زي دوريه الأبيض الذي جاء رمزاً إيحائياً أسهم اللون في جمالية استحضاره والاتكاء على رمزيته في التعبير والتصوير .
د. وليد العرفي

 

المزيد...
آخر الأخبار