تُعدّ ظاهرة إشغالات الأرصفة من القضايا الخدمية الشائكة التي ما تزال تفرض نفسها بقوة في المدن، في ظل صعوبة الوصول إلى حلول حاسمة توازن بين حاجة أصحاب البسطات لكسب رزقهم وحق المشاة في استخدام الأرصفة المخصصة لهم.
وتثير هذه الظاهرة جدلاً مستمراً بين المواطنين وأصحاب الأشغال اليومية وأصحاب المحال التجارية، لما تخلّفه من آثار اجتماعية وخدمية ومرورية باتت ملموسة في الحياة اليومية.
ونحاول في هذا التقرير تسليط الضوء على واقع إشغالات الأرصفة من زوايا مختلفة، عبر الاستماع إلى آراء المواطنين المتضررين، وأصحاب البسطات الباحثين عن مصدر رزق، وأصحاب المحال التجارية، إضافة إلى توضيح الإجراءات المتبعة من قبل الجهات المعنية، في محاولة لفهم أبعاد المشكلة والبحث عن مقاربات أكثر توازناً لمعالجتها.
وفي هذا السياق، ترى دلال، 55 عاماً، أن فرش البسطات بشكل عشوائي على الأرصفة يخلق حالة من الفوضى والازدحام، ويعيق حركة المارة، ويعرّض حياتهم للخطر، ولا سيما مع اضطرار البعض إلى السير في الطرقات العامة، ما يزيد من احتمالية وقوع حوادث دهس.
ويتقاطع هذا الرأي مع ما أشار إليه سامي، 56 عاماً، الذي اعتبر أن إشغالات الأرصفة تسيء إلى المظهر العام للمدينة، وتزيد من الضوضاء وتلوث البيئة نتيجة تراكم المخلفات، مؤكداً في الوقت نفسه ضرورة إيجاد حلول جذرية تراعي حاجة أصحاب البسطات، من خلال تأمين أماكن بديلة أو تخصيص مساحات محددة لهم.
من جهتها، شددت فاطمة، 22 عاماً، على أهمية تطبيق القوانين بشكل صارم بحق المخالفين للحد من انتشار الظاهرة وتنظيم حركة المشاة.
في المقابل، يوضح أصحاب البسطات جانباً آخر من الصورة، حيث يؤكد أحمد، 35 عاماً، صاحب بسطة لبيع الأدوات المنزلية، أن الظروف الاقتصادية الصعبة تحول دون قدرته على استئجار محل تجاري، مشيراً إلى أن اللجوء إلى الأرصفة بات خياراً اضطرارياً لكسب لقمة العيش في ظل غياب أماكن مخصصة للبيع، ما يجعل الالتزام بالقوانين أمراً بالغ الصعوبة.
ويعزز هذا الطرح نادر، 45 عاماً، صاحب بسطة لبيع الخضروات، الذي تحدث عن معاناة يومية نتيجة ملاحقة الدوريات والتنقل المستمر من مكان إلى آخر خوفاً من مصادرة البضاعة، مؤكداً أن غالبية أصحاب البسطات لا يملكون مصادر رزق بديلة ولا يستطيعون تحمّل تكاليف الإيجارات المرتفعة.
ولا يقتصر الجدل على المواطنين وأصحاب البسطات فحسب، بل يمتد ليشمل أصحاب المحال التجارية، حيث عبّر عبد الهادي، صاحب محل عطورات، عن استيائه من فرش البسطات أمام المحال، معتبراً أن ذلك يضر بالأعمال ويقلل من المبيعات، ويخلق حالة من المنافسة غير العادلة، في ظل التزام أصحاب المحال بالرسوم والضرائب.
بدوره، أشار سامر، صاحب محل إكسسوارات، إلى أن ارتفاع الإيجارات والرسوم والضرائب يزيد من الأعباء المادية على أصحاب المحال، في وقت لا يخضع فيه أصحاب البسطات للالتزامات نفسها.
وفي توضيح للإجراءات المتبعة، أوضح أيمن عوض، رئيس شعبة الإشغالات في مجلس مدينة حمص، أنه تم تنظيم 6200 ضبط خلال العام الماضي، شملت محال تجارية وسيارات متحركة وأكشاك، مؤكداً أن متابعة إشغالات الأرصفة تتم بشكل يومي في جميع أحياء المدينة.
وبيّن أن المخالفة تُعالج بداية بتوجيه إنذار، وفي حال التكرار تتم مصادرة البضاعة وحجزها لمدة أسبوع في المرة الأولى، و15 يوماً في المرة الثانية.
أما بالنسبة للمحال التجارية، فيُحرر ضبط في المخالفتين الأولى والثانية، وفي المرة الثالثة يُغلق المحل لمدة سبعة أيام، وفي حال تكرار المخالفة بعد الإغلاق يُغلق لمدة شهر.
وأشار عوض إلى أن مجلس مدينة حمص حدد خمسة مواقع مخصصة للبسطات، التزم بها بعض أصحابها، فيما لم يلتزم آخرون، لافتاً إلى أن قيمة المخالفة تبلغ 53 ألف ليرة سورية، إضافة إلى 3000 ليرة عن كل متر مربع مخالف.
كما أوضح أن ترخيص الأرصفة يخضع لمعايير محددة تتعلق بالموقع وعرض الرصيف، على أن يتجاوز العرض ثلاثة أمتار، ويُرخص ربع العرض فقط.
وتبقى ظاهرة إشغالات الأرصفة بحاجة إلى تنسيق أوسع بين الجهات المعنية والمجتمع المحلي، وإلى حلول بديلة تتيح لأصحاب البسطات العمل بشكل قانوني وآمن، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حقوق المشاة وتنظيم البيئة التجارية، بما يحقق توازناً يراعي مختلف الأطراف.
هيا العلي
