تحية الصباح .. نماذج زوجيّة

أثناء عملي في التعليم كان من تلاميذي اثنان، النّظافة عنوانا في ثيابهما، والأناقة ، وهذا يدلّ على أنّ ثمّة مَن يهتمّ بهما، والمعلّم يسهل عليه تمييز هذا، ولا يحتاج فيه إلى ذكاء، بل يكاد يفرض نفسه، ففي الفصل الواحد ( الصف) أنواع مختلفة ومتفاوتة، وحين سألتُ أحد التلميذين عن وليّ أمره، أعطاني اسم أمّه، الأمّ كانت معلّمة هي الأخرى، تعرّفتُ إليها حين جاءت لتطمئنّ على مستوى ولديها، وكانا متقاربين في العمر، وشاءت المصادفات أن التقي بهذه السيّدة في إحدى المناسبات، وسألتها عن والد الولدين، فتنهّدت تنهيدة لافتة، وقالت سأصارحك، فقد ارتحتُ إليك، وأولادي لا يعرفون إلاّ أنّ أباهم قد توفّي، التقيتُ بزوجي، وتعارفنا، وكان أنيقا، جذاباً، حلو الحديث، حيويّا في حركته، وصار النصيب، وتزوّجته على أنّه رجل أعمال، يقوم بتسهيل عقد صفقات تجاريّة بين الزبائن والشركات، ومهما كانت نباهة المرأة أو الرجل فستظلّ زوايا خفيّة، لا تُكتشف إلاّ بعد الزواج بفترة، وتبيّن لي فيما بعد، أنّه بالإضافة إلى ما ذكره، يلعب القمار، ولا يتردّد في أعمال النصب، وكنّا قد رُزقنا ولدنا الأوّل، وبعد مدة ولدتُ الولد الثاني، وفي إحدى سهرات القمار حدث شجار، وإطلاق نار، فقُتِل زوجي، وتفرّغت لتربية ولديّ.

قلت:” ألا يسألانك عن أبيهما ماذا كان يعمل”؟

قالت:” نعم سألاني، فقلت لهما كان رجل أعمال، وكان صادقا، ونقيّاً، وودوداً، فأنا حريصة على أن تكون صورة أبيهما مُثلى، لقد تعذّبت معهما كثيراً، ولكنني  لا أريد أن أحمّلهما بذرة الحقد، لأنّها سترتد سلبا عليهم وعليّ  “

قلت:”” ألا تخشين أن يكتشفا حقيقة ما كان عليه والدهما”

قالت:” المهمّ ألاّ يسمعوا كلمة سلبيّة مني في حقّه لأجعل هدفهما النّموذج الأنقى.

هذه امرأة فهيمة

                                               *******

دخل صديقي وأنا أكتب، وسألني عن ماذا أكتب، فأخبرتُه، فقال إذن خُذْ هذا النّموذج، وأنا أنقل ما بقي في الذاكرة من كلامه، يقول:” أعرف عائلة على مستوى عال من حيث الشهادات، وقد رُزقا ثلاثة أولاد، الأمّ، في أيّ مجال تحضره تترك أثراً لا يخلو من السلبيّة، تقول عن نفسها إنها امرأة متميّزة لم يصفها أحد إلا ويصفها بالايجابيّة، فهي تسلّم بابتسامة لا تتعدّى مَظهَر الابتسام، ولا تكاد تشعر بمشاركتها إذا كانت في دعوة أو سهرة، جميع النّسوة اللواتي عرفنها يصفْنها بالعجرفة، وحين أشير إلى هذا الموضوع أمام زوجها لم يذكرها بسوء، بينما هي لسبب تشتري حبل غسيل طويلا لتنشر عليه ما عندها، أمّا هو في غيابها فما يتعرّض لها بسوء، وكانت تعبّئ أبناءها بأفكار سلبيّة عن الأب، وحتى عن المحيط الذي هو منه، ومرّت الأيام، وكبر الأولاد، وصار بإمكانهم أن يميّزوا، وها هم الآن يؤدّون واجبهم تجاهها كواجب، ويتعاملون مع الأب باحترام عميق”.

هذه امرأة تعاني من  عقدة نقص،

                                          *******

تحابّا فتزوّجا، والاثنان شهادتهما بمستوى جامعي، كانت تميل إلى كلّ ما هو أقرب إلى العدالة، وإلى نُصرة الفقراء، وكان لديه نفحة من ذلك البذار، ولكنّه طموح، ويريد الوصول إلى موقع مرموق، وكانت ترى في ذلك ما قد يسئ للشخصيّة، فعلى الذين يريدون الصعود أن يدفعوا الثمن، أو أن يمهدوا الأسباب ولو على حساب قناعاتهم الجوّانيّة، رُزقا بطفل، ولمّا اتّسعت رُقعة الخلاف انفصلا، وأخذت الصبيّ لتربّيه، وتزوّج كلّ منهما، وساعدتْ الأم على أن تظلّ علاقة ابنها بأبيه جيدة، ولم تقلْ كلمة  سلبيّة واحدة في حقه، وحين يلحّ عليها أحد في السؤال، تقول : “نصيب” ،

تلك  امرأة عاقلة متوازنة ناضجة…

عبد الكريم النّاعم

aaalnaem@gmail.com

المزيد...
آخر الأخبار