ويمكن وصف ما جرى بأنه ثورة شعب عاف حياة الذل والظلم وخرج يطالب بالحرية والكرامة واستعادة الحقوق من سلطة مستبدة وفاسدة ومجرمة، وسلك هذا الشعب إلى غايته طرق الاحتجاجات والمظاهرات السلمية، وقرر عدم التوقف قبل استعادة زمام المبادرة في نيل حريته، فكان رد النظام البائد دموياً ومدمراً، إلا أن الشعب السوري واصل ثورته وطوّر أدواتها في مواجهة مزيد من العنف والتوحش الذي مارسه نظام “الأسد”، ليتوج هذا النضال والكفاح والسيل الجارف من الدماء والجراح بتحقيق النصر وإنجاز التحرير في الثامن من كانون الأول 2024، لتبدأ مسيرة البناء والإعمار.
بدايات وإرهاصات
يمكن القول إن الثورات التي انطلقت في تونس ومصر وليبيا ضد الأنظمة القائمة، أعطت نوعاً من الدفع المعنوي للشباب السوري الرافض لممارسات النظام القمعية، وجاءت حادثة اعتداء شرطي من عناصر النظام البائد على أحد الشبان في سوق الحريقة التجاري بدمشق، في الـ 17 من شباط 2011، لتشكل شرارة أولية حيث تجمّع عدد كبير من المواطنين بشكل عفوي، وهتفوا ضد ممارسات النظام، بشعار “حاميها حراميها.. الشعب السوري ما بينذل”.
وبعد ذلك دعا ناشطون، عبر الإنترنت، الشعب السوري وشبابه خصوصاً للتظاهر في الـ 15 من آذار تحت شعار “يوم الغضب”، للمطالبة بالحقوق والحريات، فخرجت في سوق الحميدية مظاهرة محدودة هتفت للحرية وإحقاق الحقوق، ليتبعها في اليوم التالي، اعتصام لنشطاء سياسيين وحقوقيين وأهالي معتقلين أمام وزارة الداخلية، فرّقتهم قوى النظام الأمنية بالقوة واعتقلت بعضهم.
18 آذار 2011.. انطلاقة الثورة وأول الشهداء
وشكلت كل هذه المحاولات إرهاصات وفتيلاً لإشعال الثورة بشكل أكثر عنفواناً ووضوحاً، حيث هبت مدينة درعا، بعد اعتقال أمن النظام البائد أطفالاً وفتياناً قاصرين، بتهمة كتابة شعارات تحريضية على جدران المدارس، وتعرّض أهلوهم وبعض الوجهاء للإهانة من مسؤول الأمن، عند محاولتهم “التدخل” للإفراج عن أبنائهم.
وخرجت دعوات للتظاهر باسم “جمعة الكرامة”، وكان يوم الجمعة الـ 18 من آذار 2011، الانطلاقة الحقيقية للثورة السورية، حيث تميز هذا اليوم بتعدد نقاط التظاهر التي خرجت من دون أي تنسيق فيما بينها في درعا ودمشق وبانياس ودوما وحمص.
وفي ذلك اليوم، واجه النظام المجرم المتظاهرين بالاعتداء والاعتقالات والقمع، فيما استخدم في درعا تحديداً الرصاص الحي لمواجهة الهبة الشعبية العارمة، ليرتقي كل من “محمود قطيش الجوابرة” و”حسام عياش” كأول شهيدين في الثورة، ولتأخذ المظاهرات بعد ذلك طابعاً أكثر زخماً واستمرارية، ولتمتد الانتفاضة الشعبية إلى مناطق عدة على مساحة سوريا.
مجزرة ساحة الساعة في حمص
ومع توسع المشاركة الشعبية في الثورة، تصدرت حمص المشهد في نيسان 2011، حيث اعتصم أهالي المدينة في ساحة الساعة الجديدة في الـ 18 من نيسان، ليسجل بذلك أول اعتصام شعبي حاشد منذ بدء الثورة، بعد تشييع المدينة وريفها 8 شهداء ارتقوا خلال المظاهرات.
وبحسب التنسيقيات المشرفة على الاعتصام تجمع أكثر من 40 ألف معتصم، بمشاركة رجال ونساء وشيوخ وأكاديميين ومثقفين وتجار وطلاب ومن مختلف الشرائح في الساحة، للتعبير عن الغضب من القمع الوحشي الذي يمارسه النظام بحق شعبه، إلا أن النظام المجرم عمد عند فجر السبت إلى اقتحام الساحة عبر المئات من عناصره، وبدأ إطلاق النار مباشرة على المعتصمين، حيث لم يتمكن الناشطون من إحصاء عدد الشهداء والجرحى، بسبب اعتقال عناصر أمن النظام للمئات واحتجاز الجرحى واختطاف جثث الكثير من الشهداء، لتكون مجزرة ساحة الساعة في حمص أول المجازر المنظَّمة التي ارتكبها النظام البائد بحق السوريين.
22 نيسان: الجمعة العظيمة والزحف إلى دمشق
في الـ 22 من نيسان 2011، انطلق عشرات آلاف السوريين من مختلف مناطق الغوطة الشرقية بعد صلاة الجمعة بحشود كبيرة نحو دمشق، بهدف الوصول إلى ساحة العباسيين، مطالبين بإسقاط نظام بشار الأسد، حيث تمكنوا من الوصول إلى أطراف الساحة عند أبواب سوق الهال ومنطقة الزبلطاني، وذلك في مواجهة مباشرة مع قوات النظام التي بدأت بشكل فوري بإطلاق الرصاص باتجاههم، ليرتقي العشرات من الشهداء في مشهد أجج وتيرة المظاهرات بشكل أكبر، وزاد من إصرار الثوار على الاستمرار والمضي قدماً في ثورتهم.
حماة: مدينة الاعتصامات السلمية الكبرى
تميزت حماة مع دخولها في ركب الثورة بالحشود الجماهيرية الغفيرة، حيث احتشد أكثر من نصف مليون متظاهر في ساحة العاصي وسط المدينة، في لحظة أثرت في ملايين السوريين وساهمت في مد شعلة الثورة.
وعلى مدى أسابيع، وفي كل جمعة من جُمَع الثورة، احتشد مئات الآلاف قادمين من قرى ومدن محافظة حماة، يهتفون خلف إبراهيم القاشوش للمطالبة بإسقاط النظام، ولم يحتمل النظام هذا المشهد فحاصر المدينة بالدبابات والمدرعات، وفي ساعات الفجر الأولى من يوم الـ 31 من تموز 2011 اقتحمت دبابات النظام المدينة عشية شهر رمضان، لتشهد سوريا واحداً من أكثر الأيام قمعاً للمتظاهرين منذ بدء الثورة، لينتهي بالقوة والقمع والرصاص والدبابات أكبر اعتصام سلمي في تاريخ الثورة السورية.
ومع اتساع نطاق التظاهرات، اتخذت أيام الجمعة تسميات تحدد غاية الاحتجاج وأهدافه، وتعدّى الحراك الثوري المظاهرات والاعتصامات إلى التعبير بوسائل إبداعية (الفن التشكيلي والموسيقا والغناء والدراما وغيرها)، كما ابتُكرت أساليب في التنظيم والتغطية الإعلامية، فظهرت تنسيقيات الثورة في المدن والأحياء، ونمت ظاهرة “المواطن الصحفي” بإمكانات بسيطة، فكانت وسائل إبداعية ميّزت الثورة في طورها السلمي.
إجرام النظام يتصاعد بحق الأطفال والمدنيين.. حمزة الخطيب نموذجاً
في أيار 2011 شهد إجرام النظام البائد تصاعداً كبيراً، وكان مقتل الطفل حمزة الخطيب تحت التعذيب مشهداً مرعباً، كشف مدى وحشية هذا النظام، وليتحول حمزة إلى أيقونة من أيقونات الثورة ورموزها.
وفي الشهر نفسه اقتحمت قوات النظام البائد قرية البيضا في بانياس حيث أظهرت مقاطع مصورة لقيت صدى عالمياً واسعاً، شبيحة الأمن والنظام البائد وهم يدوسون أجساد شباب القرية وينكلون بهم، وهم معتقلون ومقيدو الأيدي، في مشهد لا ينساه السوريون، ومع أن النظام حاول تكذيب الحادثة إلا أن الأدلة الدامغة التي عرضها أهالي القرية أثبتت إجرام النظام وقمعه.
بداية الانشقاقات في صفوف العسكريين لنصرة الثورة
لم يستطع الكثير من العسكريين تحمل ما يقوم به النظام وأجهزته القمعية من جرائم بحق أهلهم وأبناء شعبهم، فبدأ بعض الجنود والضباط بالانشقاق، في خطوة حملت أبعاداً مهمة في أحداث الثورة السورية.
وكان المجند وليد القشعمي من الحرس الجمهوري في قيادة قاسيون، من أوائل من انشقوا عن جيش النظام، عبر تسجيل مصور بث على الإنترنت يوم الـ 23 من نيسان 2011، ثم تتالت الانشقاقات بعد ذلك برُتَب مختلفة، ففي يوم الـ 7 من حزيران 2011 انشق عبد الرزاق طلاس، وهو ضابط برتبة ملازم أول، وبعد يومين من الشهر نفسه أعلن حسين هرموش انشقاقه، وهو أول ضابط برتبة مقدم ينشق عن جيش النظام البائد بعد الحملة الإجرامية على مدينة جسر الشغور، حيث ظهر هرموش في مقطع مصور موضحاً أن سبب انشقاقه هو “قتل المدنيين العزل من قبل أجهزة النظام”.
وأسس هرموش حركة لواء الضباط الأحرار، موجهاً نداءً إلى ضباط الجيش وجنوده للانشقاق عن النظام والالتحاق بحركته في مرحلة مبكرة من عمر الثورة، ولكن بعد أشهر قليلة اعتقلت مخابرات النظام الهرموش في عملية أمنية وقامت بتصفيته.
تأسيس الجيش السوري الحر
وبعد تشكيل لواء الضباط الأحرار أعلن العقيد رياض الأسعد تشكيل “الجيش السوري الحر” في الـ 3 من آب 2011، بهدف تنظيم صفوف المنشقين العسكريين في عموم سوريا، وتشكيل جسم عسكري لحماية المتظاهرين ومنع اقتحام المدن، ومن ثم الانتقال إلى مهاجمة مواقع النظام، حيث سجل أول هجوم في حرستا بريف دمشق ضد مقر ما يسمى “المخابرات الجوية” بتاريخ الـ 16 من تشرين الثاني 2011.
وإلى جانب الجيش السوري الحر بدأت المعارضة السياسية بتشكيل هيئات لتنسيق المواقف بين قواها، فتم تأسيس “المجلس الوطني السوري” في الـ 2 من تشرين الأول 2011، ومن ثم أُعلن في العاصمة القطرية الدوحة عن تشكيل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في تشرين الثاني 2012.
حمص.. عاصمة الثورة
منذ بداية الثورة السورية برز اسم حمص لتشكل حالة فريدة من نوعها في المظاهرات السلمية اليومية التي كانت تعيشها وتبث على القنوات الفضائية.
كانت أحياء الخالدية والإنشاءات وباب الدريب وبابا عمرو والبياضة وجورة الشياح وكرم الزيتون وغيرها، تتعرض وعلى مدار أشهر، لإطلاق نار وقصف بالهاون والمدافع على المدنيين الموجودين فيها، والذين استمروا بالتظاهر رغم عشرات الشهداء الذين كانوا يسقطون يومياً.
اقتحم النظام السوري عدة أحياء بحمص في مقدمتها حي كرم الزيتون، بعد قصفه بالهاون وقذائف المدفعية في الـ 26 من كانون الثاني 2012، ليكون الأهالي على موعد مع أولى المجازر الطائفية، حيث قُتلت بالسكاكين والحرق عائلات بأكملها، وسُجلت أسماء ما لا يقل عن 22 شهيداً، من بينهم 7 سيدات إحداهن حامل و10 أطفال وعشرات الجرحى، وفق الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
وحتى منتصف آذار 2012، كانت قوات النظام البائد قد اقتحمت عدداً من الأحياء بعد قصفها بالصواريخ، موقعة مئات الشهداء والجرحى والمفقودين، وبالأخص في حي بابا عمرو مع تدمير كبير في بيوت السكان ونزوح عشرات الآلاف من المدينة، وظلت تقاوم حتى أيار 2014 حيث تم الاتفاق على خروج نحو 2400 شخص من حمص القديمة، لتجنيب المدينة المزيد من الدمار على يد النظام المجرم.
ولا يمكن ذكر حمص دون المرور بريفها المقاوم الذي شهد مقاومة شرسة بوجه النظام البائد، فيما شكلت مدينة القصير سداً في وجه ميليشيا حزب الله التي انخرطت إلى جانب النظام البائد في مواجهة ثورة الشعب السوري، وكانت معركة القصير في أيار 2013 التي استمرت 18 يوماً، واستخدمت فيها قوات النظام وميليشياته الطائفية الطائرات والمدفعية والهاون، وأدت إلى استشهاد أكثر من 1000 شخص وإصابة أكثر من 1200 آخرين ونزوح عشرات الآلاف، إحدى المحطات المهمة التي فضحت دور ميليشيا حزب الله في ارتكاب المجازر بحق السوريين.
ومن غير الممكن أيضاً، ذكر حمص دون الحديث عن حارس الثورة عبد الباسط الساروت الذي انضم إلى الثورة السورية في أيامها الأولى، وقاد المظاهرات المطالبة بإسقاط النظام، ثم انخرط بالعمل المسلح ضده.
ومن ثم عاش الساروت مع رفاقه الحصار المشدد في حمص، حيث ارتقى ثلاثة من أخوته خلال المعارك مع النظام، ليغادر حمص فيما بعد وينتقل لمواجهة النظام البائد في ساحات أخرى، ليشارك في تموز 2019 في آخر معاركه ضد النظام السوري بريف حماة، حيث أصيب ومن ثم ارتقى شهيداً متأثراً بجراحه.
مشاركة مميزة للمرأة
تميزت الثورة السورية بمشاركة مختلف شرائح المجتمع، وسجلت النساء حضوراً بارزاً، فكانت النتيجة تعرضهن، كما الرجال، للملاحقة والاعتقال والتعذيب، ومنهن من قضين أثناء الاعتقال، أو تعرضن لانتهاكات جسيمة، فيما حمل بعضهن السلاح دفاعاً عن أرضهن وبيوتهن، وعملت الأخريات في مجالات الإسعاف وتأمين الإطعام وغيرها من المهمات، وتحملن إلى جانب عائلاتهن مرارة النزوح واللجوء والعيش في المخيمات.
درعا والقنيطرة من الثورة إلى التهجير
ظلت محافظة درعا تمثل مهد الثورة وشرارتها، وبقيت صامدة لتساندها محافظة القنيطرة التي تحرر الكثير من مناطقها، إلا أن العنف والإجرام الذي مارسه النظام البائد وحلفاؤه الروس والإيرانيون، دفع الثوار إلى القبول بإجراء تسويات والخروج نحو الشمال السوري، ليتجمعوا مع إخوتهم هناك من باقي المحافظات ويشكلوا نواة التحرير القادم لسوريا.
إيران وميليشياتها الطائفية في مواجهة الثورة
منذ الأيام الأولى للثورة السورية، دعمت إيران وميليشياتها الطائفية وفي مقدمتها ميليشيا “حزب الله” اللبناني، النظام البائد ضد السوريين، سواء بالسلاح أو الذخائر أو العتاد أو بالأموال، وصولاً إلى المشاركة الفعلية في مختلف المعارك والمجازر التي ارتكبها هذا النظام بحق الشعب السوري.
وخلال سنوات الثورة أرسلت إيران آلاف المقاتلين الإيرانيين، إلى جانب جلب عشرات الآلاف من مرتزقة الميليشيات تحت أسماء “زينبيون” و”فاطميون” و”أبو الفضل العباس” وغيرها، التي ارتكبت مجازر مروعة بحق السوريين في مختلف المناطق السورية.
دمشق وغوطتها في قلب الثورة
رغم ضعف الإمكانات، أعلن الثوار في منتصف تموز 2012، معركة “بركان دمشق”، عبر عمليات واشتباكات هي الأعنف في العاصمة منذ بدء الثورة.
ووصل الثوار من أبناء الغوطة الشرقية إلى حي الميدان، ورغم أن المعارك دارت في عدة نقاط، أبرزها الميدان والمزة بساتين وكفر سوسة ونهر عيشة، إلا أن ضعف العتاد أوقفها، فيما ظهر من خلالها مقدار الارتباك في صفوف قوات النظام.
مجزرة الكيماوي في الغوطة
وظلت الغوطة شعلة للثورة والوقوف بوجه النظام، حيث استخدم مختلف أنواع الأسلحة في محاولة لإخماد الحراك الشعبي دون أن يستطيع ذلك، فلجأ إلى استخدام السلاح الكيميائي حيث قصف الغوطتَين الشرقية والغربية في ريف دمشق بهذا السلاح في الـ 21 من آب 2013، ليُسجل هذا الهجوم كوصمة عار في سجل إجرام النظام البائد، حيث أدى إلى استشهاد 1144 شخصاً اختناقاً، بينهم 99 طفلاً و194 سيدة، كما أصيب 5 آلاف و935 شخصاً بأعراض تنفسية وحالات اختناق، حسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

وبعد تلك الجريمة لم يتحرك العالم، بل تم اتخاذ قرار دولي بتسليم نظام الأسد سلاحه الكيماوي لإتلافه، ليستخدم النظام هذا السلاح بعد ذلك في أكثر من 217 هجوماً في عموم سوريا، استخدم فيها عدة غازات بينها السارين والكلور، وفق الشبكة السورية.
ورغم كل هذا الإجرام بقيت الغوطة تقاوم وتواجه النظام، فكانت داريا والمعضمية وخان الشيح ودروشا والريف الجنوبي لدمشق في يلدا وببيلا وحجيرة والذيابية والحسينية وصولاً إلى الغوطة الشرقية بمختلف مدنها وبلداتها السد المنيع بوجه النظام، إلا أن الحصار الخانق والهمجية التي أظهرها النظام وحلفاؤه الإيرانيون والروس الذين دخلوا لمساندته في الـ 30 من أيلول 2015، حيث استخدموا قوتهم التدميرية الهائلة في استهداف أحياء كاملة وارتقاء آلاف المدنيين، ما أجبر المحاصرين على القبول بالتهجير إلى الشمال السوري، فخرج على إثر ذلك أكثر من 158 ألف شخص، أي ما يقدر ب 40 بالمئة من سكان الغوطة، والباقي نزحوا باتجاه دمشق، لتكون تلك أكبر عملية تهجير مباشرة في تاريخ سوريا.
سلاح الحصار والتجويع… مخيم اليرموك ومضايا مثالاً
ومن بين الأسلحة التي استخدمها النظام البائد في حربه على دمشق وريفها، الحصار والتجويع، كما شهد مخيم اليرموك جنوب دمشق، والذي شكل واحداً من أكثر الأحداث بشاعة، فكانت المرة الأولى التي يموت الناس فيها من الجوع ويلجؤون إلى أكل الحشائش ولحم القطط والكلاب، جراء الحصار الذي فرض منذ الـ 18 من تموز 2013، مع قطع الماء والكهرباء وكل سبل الحياة، في واحدة من أبشع العقوبات الجماعية التي ارتكبها النظام بحق أكثر من 50 ألف شخص.
ووثقت مجموعة العمل لأجل فلسطينيي سوريا، وفاة 219 لاجئاً فلسطينياً قضوا داخل مخيم اليرموك بسبب الجوع، بينهم 37 طفلاً و68 سيدة.
وإلى جانب المخيم، كان حصار قوات النظام البائد وميليشيا حزب الله لعدد من البلدات والقرى على الحدود مع لبنان، مثل مضايا والزبداني وبلودان وبقين اعتباراً من حزيران 2015، ما تسبب في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في سوريا، توفي على إثرها العشرات، ليستمر الحصار قرابة عامين، وانتهى باتفاق تهجير في نيسان 2017، حيث أُخرج المئات من مضايا والقرى الأخرى نحو الشمال.
المعتقلون والتصفيات داخل الأفرع الأمنية
شكل ملف المعتقلين أحد أكثر فصول المأساة السورية قسوة خلال سنوات الثورة، إذ تحولت الأفرع الأمنية ومراكز الاحتجاز إلى منظومة قمع واسعة استهدفت الناشطين والمتظاهرين وكل من اشتبهت سلطات النظام البائد بمشاركته في الحراك الشعبي.
فمنذ الأشهر الأولى لعام 2011 شنت الأجهزة الأمنية حملات اعتقال واسعة في مختلف المدن السورية طالت آلاف الشبان والطلاب والناشطين والإعلاميين والأطباء والمسعفين، حيث جرى تصفية غالبية المعتقلين ميدانياً ودفنهم ضمن عشرات المقابر الجماعية التي انتشرت على مساحة البلاد.
وفي هذا السياق، برزت قضية المفقودين إلى الواجهة بعد سقوط نظام “الأسد”، كاشفة حجم الانتهاكات في السجون، حيث تعرض المعتقلون لتعذيب ممنهج، ليتجاوز عدد المختفين قسراً في سوريا 112 ألف شخص، لم يعثر على أي منهم بعد فتح معتقلات النظام، حسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
وفي هذا السياق، برزت قضية المفقودين إلى الواجهة بعد سقوط نظام “الأسد”، كاشفة حجم الانتهاكات في السجون، حيث تعرض المعتقلون لتعذيب ممنهج، ليتجاوز عدد المختفين قسراً في سوريا 112 ألف شخص، لم يعثر على أي منهم بعد فتح معتقلات النظام، حسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
تسريبات قيصر وفضح جرائم النظام المروعة
كانت التسريبات التي ظهرت مطلع عام 2014، والتي أُطلق عليها اسم تسريبات قيصر، واحدة من أفظع المشاهد التي سجلتها الثورة السورية، حيث ظهرت 55 ألف صورة لنحو 11 ألف معتقل سوري قضى تحت التعذيب في سجون النظام البائد في مشاهد يندى لها جبين البشرية.
واسم “قيصر” هو لقب أطلق على “فريد المذهان”، المساعد الأول رئيس قلم الأدلة القضائية بالشرطة العسكرية في دمشق، والذي ينحدر من مدينة درعا، وكان مكلفاً بتصوير جثث المدنيين المعتقلين، حيث كشف عن واحدة من أكبر الفظاعات في تاريخ البشرية.
وقدم قيصر شهادته أمام الكونغرس الأمريكي، وتم تشكيل فريق تحقيق دولي تأكد من صحة الصور، ما أدى فيما بعد إلى إقرار “قانون قيصر” الذي يدعو إلى وقف قتل الشعب السوري ومحاسبة منتهكي الجرائم من رموز نظام الأسد.
خان شيخون.. الكيماوي مجدداً
رغم القرارات الدولية التي قضت بتسليم النظام البائد أسلحته الكيماوية، ورغم التهديدات الغربية، شن النظام البائد العديد من الهجمات الكيماوية بعد هجوم الغوطة، إلا أن من أكثرها دموية كان الهجوم على مدينة خان شيخون بريف إدلب في الـ 4 من نيسان 2017، والذي أدى إلى ارتقاء أكثر من 100 سوري جلّهم من الأطفال، ووقوع نحو 400 مصاب باستخدام غاز السارين.
أحدث ذلك الهجوم ضجة دولية، ولكن ردة الفعل لم تكن بحجم الجريمة ومختلف الجرائم التي أُدين بها النظام البائد ورموزه.
الرقة أول محافظة بيد الثوار
في الـ 4 من آذار 2013 حرر الثوار مدينة الرقة شمال شرق سوريا، لتكون أول مركز محافظة يخرج عن سيطرة النظام البائد، ولتمثل هذه الخطوة حالة استثنائية من عمر الثورة، خصوصاً أن مساحة المدينة تقدر بنحو 10.6% من مساحة سوريا، وعدد سكانها يقارب المليون.
ولم تكن الرقة لتُحرر لولا التحرير شبه الكامل لريف حلب الشمالي والشرقي، وتنسيق واسع من قبل الثوار في مختلف المناطق، وشن هجوم واسع أدى إلى تحرير مدينة الرقة الاستراتيجية.
دير الزور والحسكة.. تضحيات وصمود
وكما بقية المناطق شاركت دير الزور في الثورة منذ بدايتها عبر المظاهرات السلمية، والحراك الشعبي وصولاً إلى تشكيل الفصائل الثورية وانطلاق العمل المسلح، حيث تم تحرير غالبية مناطق ريف المحافظة وعدد من أحيائها، ليصب النظام جام غضبه عليها ويدمر القسم الأكبر منها، ويرتقي الآلاف من الشهداء إضافة إلى الجرحى والمعتقلين.
وإلى جانب دير الزور كان للحسكة وريفها مشاركة في الثورة عبر المظاهرات ومواجهة قمع النظام البائد، إضافة إلى القامشلي وغيرها من مناطق الجزيرة السورية.
اللاذقية وريفها الشمالي.. صمود وثبات حتى النصر
مع انطلاق شرارة الثورة كان للاذقية دور مهم في المشاركة في الحراك الثوري، ولكن قمع النظام العنيف واعتقال المئات من الناشطين وخروج عدد كبير منهم إلى أريافها، نقل مركز الحراك إلى الريف الشمالي الذي شكّل أحد قلاع الثورة ونموذجاً يحتذى في البطولة والصمود.
ورغم سيطرة النظام البائد على عدد من البلدات الاستراتيجية كـ “سلمى وكنسبا وربيعة” بعد معارك ضارية مع الثوار في العام 2016، إلا أن تلال الكبينة وغيرها من المناطق في جبل التركمان شكلت نموذجاً في مواجهة هجمات قوات النظام والقصف الروسي، حيث تحطمت على صخورها أعتى الهجمات وبقيت صامدة حتى تحقيق النصر والتحرير بعد معارك شرسة وعنيفة وتضحيات كبيرة بذلها المرابطون على مدى سنوات.
من إدلب إلى حلب وريفها.. خزان الثورة وشعلتها
منذ بداية الثورة كانت إدلب وأرياف حلب خزاناً بشرياً أساسياً في توسع الثورة وانتشارها، ومع قيام الجيش الحر وانضمام أعداد كبيرة من الثوار إلى الفصائل والكتائب الثورية، بدأت عملية تحرير مدن الشمال مثل سلقين وحارم ودركوش بريف إدلب، والتي حُررت في تشرين الأول 2012، وبقيت حرة حتى التحرير الكامل في كانون الأول 2024.
وتبرز في هذا السياق أسماء شخصيات أدت دوراً محورياً في الثورة السورية كعبد القادر الصالح “حجي مارع”، الذي أسهم بشكل مباشر في نصرة الثورة السورية وتنظيمها عسكرياً، قبل استشهاده في الـ 18 من تشرين الثاني 2013، ليغدو واحداً من أبرز رموزها، إلى جانب عدد كبير من القادة والثوار.
وفيما بعد جاء تشكيل “جيش الفتح” ليجسد بداية حقيقية لمرحلة جديدة في الثورة السورية، حيث أطلق معركة تحرير إدلب في الـ 24 من آذار 2015، وتمكن خلال 5 أيام من تحرير المدينة، ليكون ذلك بمثابة بارقة أمل جديدة بإمكانية تحرير المزيد من المحافظات والمدن، وهو الأمر الذي تأخر إلى نهاية عام 2024 مع معركة “ردع العدوان”.
ردع العدوان وفجر التحرير
منذ بدء معركة ردع العدوان في السابع والعشرين من تشرين الثاني 2024، ومع كل مدينة وقرية استعادها الثوار من قبضة النظام البائد، كان الأمل يكبر في صدور السوريين، والعيون ترنو إلى فجر يحمل الخلاص، حتى جاء فجر الثامن من كانون الأول 2024، حيث دخل الثوار دمشق، وفرَّ المجرم “بشار الأسد” ذليلاً منها إلى موسكو، ولم يكن ذلك نهاية لنظامه الوحشي فقط، بل نهاية حقبة مريرة من حكم حزب البعث امتدت منذ عام 1963.
هروب الأسد ونهاية الخوف
في تمام الـ 4:30 من فجر الثامن من كانون الأول 2024 بدأت قوات “ردع العدوان” دخول دمشق، ووصلت سجن صيدنايا المعروف باسم “المسلخ البشري”، كونه واحداً من أبرز رموز القمع وأفظع المعتقلات التي كان “الأسد” يحتجز فيها معارضيه، وأكثرها تحصيناً.
سيطر الثوار على السجن وحرروا مئات المعتقلين، رجالاً ونساءً وأطفالاً، بعضهم خرج في حالة ذهول وفقدان للذاكرة، وبعضهم كان ينتظر تنفيذ حكم الإعدام في اليوم نفسه، قبل أن تكتب لهم النجاة، إضافة إلى معتقلين قضوا عقوداً خلف القضبان.
ومع إحكام الطوق على العاصمة، هرب “الأسد المجرم” فجر الثامن من كانون الأول دون أن يخبر حتى أفراد عائلته المقربين أو كبار المسؤولين، وخلال ساعات قليلة، انهارت أنظمته الأمنية والعسكرية والسياسية القمعية، لتعلن إدارة العمليات العسكرية في “ردع العدوان” تحرير مدينة دمشق بالكامل، وسقوط نظام الأسد.
الثورة أسقطت “الأسد”.. وأعادت كتابة التاريخ السوري
شكل بيان إعلان انتصار الثورة السورية في الـ 29 من كانون الثاني 2025، وتولي القائد “أحمد الشرع” رئاسة الجمهورية، محطة مفصلية في تاريخ البلاد، إذ فتح الباب أمام مرحلة إعادة بناء الدولة السورية على أسس جديدة تقوم على العدالة وسيادة القانون واحترام حقوق المواطنين، ومؤشراً واضحاً على عودة سوريا التدريجية إلى مكانتها الطبيعية كدولة محورية في المنطقة.
كانت لحظة التحرير والخلاص من المجرم “بشار الأسد” الذي حكم سوريا بالحديد والنار بين عامي (2000-2024) وورث الحكم عن أبيه حافظ (1970-2000)، أشبه بولادة وطن من جديد، وطن صاغه أبناؤه بدمائهم وصبرهم، وكتبوا ببطولاتهم صفحات خالدة في تاريخه، لينطلقوا بعدها مصممين على بناء سوريا الحرة التي طال انتظارها.
لم يكن هذا النصر يخص السوريين وحدهم، بل إن سوريا منحت العالم كله نصراً تاريخياً حين أطاحت بمنظومة قمع وحشية امتدت لستة عقود، لتتحول من بلد يصدّر الأزمات إلى فرصة حقيقية لترسيخ الاستقرار والسلام والازدهار في عموم المنطقة.