عاد ملف السلاح الكيميائي للنظام البائد إلى الواجهة من جديد مع إعلان اكتشاف مواد وذخائر كيميائية في مناطق مختلفة في سوريا، ما أعاد فتح النقاش حول مدى مصداقية عملية تفكيك الترسانة الكيميائية التي زعم النظام البائد أنه نفذها عام 2013 وحول حقيقة التزاماته تجاه اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
ورغم إعلان النظام البائد انضمامه إلى الاتفاقية آنذاك عقب هجومه الكيماوي على الغوطة الشرقية، فإن ما وثقته منظمات حقوقية وآليات تحقيق دولية من هجمات لاحقة أبقى الشكوك قائمة بشأن مصداقية رواية نظام الأسد المخلوع بإنهاء البرنامج الكيميائي لديه.
ويؤكد ذلك ما أعلنته مؤخراً بعثة سوريا لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية عن العثور على ذخائر جوية وأرض أرض مماثلة لتلك المستخدمة في هجمات سابقة نفذها النظام البائد في 2013 و 2017 إضافة إلى مواد تدخل في تصنيع السارين ومعدات مزج وتخزين وكميات من مواد أخرى لا تزال قيد التحليل.
إخفاء أجزاء من الترسانة الكيماوية لسنوات
في هذا السياق، أكد المدير التنفيذي لمنظمة “محامون وأطباء من أجل حقوق الإنسان” (LDHR) محمود الأسود أن اكتشاف مواد وذخائر كيميائية جديدة يشكل دليلاً واضحاً على أن النظام البائد لم يكن جاداً في تنفيذ التزاماته المتعلقة بتفكيك ترسانته الكيميائية.
وأشار الأسود في تصريح لـ سانا إلى أن العثور على مواد مرتبطة بالسارين بعد أكثر من عقد يعزز التساؤلات حول إخفاء النظام البائد أجزاء من البرنامج عن الرقابة الدولية.
وأضاف: إن إعلان 2013 بشأن إنهاء البرنامج الكيميائي كان إجراءً سياسياً، وإن الاكتشافات المتلاحقة تكشف وجود مواد لم يُصرّح عنها للمجتمع الدولي.
اتفاق 2013.. تعهد لم يُنهِ الشكوك
جاء الاتفاق الدولي بشأن السلاح الكيميائي السوري عقب هجوم الغوطة في آب 2013 الذي أسفر عن مقتل وإصابة آلاف المدنيين وأثار غضباً دولياً واسعاً، وإثر الضغط الدولي وافق النظام البائد على الانضمام لاتفاقية الحظر وتسليم مخزونه.
ورغم إعلان انتهاء عملية تدمير الترسانة الكيماوية، بقيت تقارير دولية تشير إلى ثغرات في التصريحات الرسمية للنظام البائد آنذاك، وغياب تفسيرات لبعض المواقع والمواد.
هجمات بعد إعلان التفكيك
بيّن المدير التنفيذي لمنظمة “محامون وأطباء من أجل حقوق الإنسان” أنه رغم الإعلان عن إنهاء البرنامج الكيميائي، استمرت التقارير التي تكشف استخدام الأسلحة السامة في سوريا خلال سنوات الثورة من قبل النظام البائد، حيث وثقت منظمات دولية وآليات تحقيق أممية عدة هجمات، من بينها استخدام غاز السارين والكلور في مناطق مختلفة من سوريا.
ومن أبرز تلك الهجمات:
– خان شيخون “نيسان 2017”
– اللطامنة “آذار 2017”
– هجمات متكررة بالكلور في عدة مناطق سورية.
كما خلصت تحقيقات دولية إلى تحميل القوات الجوية التابعة للنظام البائد مسؤولية هذه الهجمات، استناداً إلى تحليل العينات، ومسارات الطيران، وشهادات الناجين، والصور الجوية، ونوعية الذخائر المستخدمة.
أدلة ميدانية ومسار قانوني
أشار الأسود إلى أن الذخائر المكتشفة مؤخراً تحمل قيمة كبيرة في مسار التوثيق والمساءلة، إذ تتطابق بعض أنواعها مع أسلحة سبق استخدامها في هجمات كيميائية، ما يعزز الترابط بين الأدلة الميدانية وإصابات الضحايا.
وأكد أن حفظ المواد وفق المعايير الدولية خطوة أساسية لضمان إمكانية استخدامها أمام المحاكم الدولية، معتبراً أن إعلان الدولة اليوم عن هذه الاكتشافات يعكس جدية في التعاون مع المجتمع الدولي، وإثبات الوقائع المرتبطة باستخدام الأسلحة الكيميائية خلال سنوات الحرب.
البعد الإنساني ومسار العدالة
بالنسبة للناجين من مجازر الكيماوي التي تم ارتكابها في الغوطة واللطامنة وخان شيخون، لا تبدو هذه الاكتشافات الجديدة مجرد قضية تقنية أو سياسية، بل تمثل استعادة لذاكرة الهجمات التي خلّفت مئات الضحايا، بينهم أطفال قضوا اختناقاً داخل منازلهم وملاجئهم وفي المستشفيات الميدانية.
وأشار الأسود إلى أن منظمات سورية وكوادر طبية وفرق دفاع مدني عملت خلال سنوات الثورة على تطوير آليات متقدمة للاستجابة للهجمات الكيميائية، شملت تدريب الفرق الطبية والإسعافية على التعامل مع الإصابات الكيميائية، إضافة إلى توثيق الحالات وفق معايير مهنية تتيح استخدام هذه البيانات في التحقيقات القضائية وعمليات المساءلة الدولية.
الذخائر الكيميائية المكتشفة تعزز مسارات الملاحقة الدولية
بدوره، أكد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، أن الاكتشافات الأخيرة لذخائر ومواد كيميائية مرتبطة بالسارين تمثل دليلاً جديداً على أن النظام البائد لم يلتزم بشكل كامل بتعهداته المتعلقة بتفكيك برنامجه الكيميائي، مشيراً إلى أن ما جرى عام 2013 لم يكن مجرد إعلان ناقص، بل “إخفاء ممنهج ومحسوب” لجزء من الترسانة الكيميائية.
وأوضح عبد الغني في تصريح لـ سانا أن الإخلال بالمادة الثالثة من اتفاقية الأسلحة الكيميائية يمثل “انتهاكاً كبيراً” من قبل النظام البائد، باعتباره مؤشراً على نية ممنهجة لإعاقة آليات التحقيق منذ اللحظة الأولى.
وأضاف: إن المادة الأولى من الاتفاقية تحظر تطوير الأسلحة الكيميائية وإنتاجها وتخزينها والاحتفاظ بها “تحت أي ظرف”، موضحاً أن الإخفاء الممنهج يرتب مسؤولية دولية مشددة، ولا يقبل العذر المخفف القائم على “الغموض التقني” الذي تلجأ إليه بعض الدول في مواجهة التقارير الفنية.
وأكد عبد الغني أنه وفق المواد الإطارية لمسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة دولياً، لا تستلزم إثبات ضرر محدد لضحايا بأعيانهم، إذ إن الانتهاك ذاته يكفي لتفعيل المسؤولية الدولية، وهو ما يتيح للدول الأطراف في الاتفاقية تحريك آلية التشاور والتحقيق المنصوص عليها في المادتين الثامنة والتاسعة.
تعزيز ملفات الغوطة واللطامنة
فيما يتعلق بملفات الهجمات الكيميائية من قبل قوات النظام البائد، أوضح عبد الغني أن آلية التحقيق المشتركة، المنشأة بموجب قرار مجلس الأمن 2235 خلصت أيضاً إلى مسؤولية النظام البائد عن هجوم الغوطة عام 2013 إلا أن الفيتو الروسي أنهى ولايتها عام 2017 قبل استكمال التوثيق الكامل لسلسلة القيادة المرتبطة بالهجوم.
وأشار عبد الغني إلى أن الشبكة السورية لحقوق الإنسان ساعدت فرق التحقيق الدولية في هذه الملفات، وكانت من أبرز المصادر في توفير البيانات والشهود.
ورأى أن الاكتشافات الجديدة تعزز ملفي الغوطة واللطامنة، موضحاً أن الوثائق المكتشفة، التي تضم آلاف الصفحات، قد تجسر الفجوة الإثباتية بين الوجود للبرنامج والإذن العملياتي من قبل النظام البائد باستخدامه، إذا أُدرجت ضمن سلسلة حيازة متكاملة وخضعت لتحليل جنائي وثائقي.
الحيازة والاستخدام في القانون الدولي
أكد عبد الغني أن التمييز التقليدي بين الحيازة والاستخدام يواجه منطقاً مختلفاً، لأن الحيازة التي أنكرها النظام البائد مراراً تُعد دليلاً مادياً على استمرار النية والقدرة على الاستخدام.
وبيّن أن القضاء الجنائي يتطلب ثلاثة عناصر رئيسية: إثبات الصلة بين مسؤول بعينه من النظام البائد، ووجود أدلة على معرفته بالاستخدام أو إصداره أوامر به، واستيفاء معايير سلسلة الحيازة الجنائية للأدلة المادية المكتشفة.
وتعيد هذه التطورات طرح تساؤلات جديدة حول حقيقة ما جرى تفكيكه من البرنامج الكيميائي، وما إذا كانت الاكتشافات الأخيرة ستقود إلى إعادة فتح ملفات قانونية وتحقيقات دولية مرتبطة باستخدام الأسلحة الكيميائية من قبل النظام البائد.