اليوم العالمي لمكافحة المخدرات.. كيف تحولت سوريا من مركز لتصنيع الكبتاغون إلى ساحة لملاحقة شبكات التهريب؟
يصادف السادس والعشرون من حزيران من كل عام اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، وهي مناسبة أقرتها الأمم المتحدة لتسليط الضوء على مخاطر المخدرات وتعزيز التعاون الدولي لمواجهتها، في وقت لا تزال فيه هذه التجارة تمثل أحد أبرز التحديات الأمنية والصحية والاقتصادية في العالم، بعدما تطورت من نشاط إجرامي محدود إلى شبكات عابرة للحدود تدر مليارات الدولارات سنوياً.
تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن مئات ملايين الأشخاص حول العالم تعاطوا أنواعاً مختلفة من المخدرات خلال السنوات الأخيرة، بينما تواصل شبكات التهريب تطوير وسائلها لنقل المواد المخدرة وإنتاجها، مستفيدة من النزاعات المسلحة وضعف مؤسسات الدولة والحدود المفتوحة، وهو ما جعل مكافحة هذه الظاهرة مسؤولية دولية مشتركة تتجاوز حدود أي دولة منفردة.
سوريا من دولة عبور إلى مركز إنتاج
تحولت سوريا في عهد نظام الأسد البائد، من دولة تستخدم أحياناً كممر لعمليات التهريب، إلى أحد أبرز مراكز إنتاج الكبتاغون وتصديره على مستوى المنطقة، بعدما ارتبطت هذه التجارة بشبكات منظمة ضمت شخصيات عسكرية وأمنية وميليشيات حليفة للنظام، وتحولت إلى مصدر رئيسي للتمويل غير المشروع.
أكدت تقارير دولية وتحقيقات إعلامية متخصصة أن معامل تصنيع الكبتاغون انتشرت في عدة مناطق سورية، بينما أصبحت طرق التهريب تمتد عبر الحدود مع الأردن ولبنان والعراق، وصولاً إلى دول الخليج وأوروبا وشمال أفريقيا، الأمر الذي دفع العديد من الدول إلى اعتبار تجارة المخدرات القادمة من سوريا تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
منظومة متكاملة لإنتاج المخدرات
أوضح باحثون مختصون أن تجارة المخدرات أصبحت جزءاً من المنظومة الأمنية والعسكرية التي أسسها نظام الأسد البائد، حيث ارتبطت عمليات التصنيع والحماية والتهريب بشبكات يقودها ضباط ومسؤولون وشخصيات نافذة، إلى جانب ميليشيا “حزب الله” اللبناني والميليشيات المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.
استخدمت هذه التجارة، إلى جانب تحقيق العائدات المالية، كوسيلة لتمويل العمليات العسكرية، وبناء شبكات نفوذ، وتوسيع أنشطة التهريب التي شملت لاحقاً الأسلحة والبشر، ما جعل المخدرات إحدى أبرز أدوات النفوذ غير المشروع في المنطقة خلال سنوات الحرب.
مرحلة جديدة بعد سقوط نظام الأسد البائد
فرض سقوط نظام الأسد البائد في كانون الأول 2024 واقعاً جديداً على ملف المخدرات، إذ وضعت الحكومة السورية الجديدة مكافحة هذه التجارة ضمن أولوياتها الأمنية، وبدأت حملة واسعة لاستهداف البنية التي قامت عليها صناعة الكبتاغون، عبر ملاحقة الشبكات، وإغلاق معامل التصنيع، وتعزيز التنسيق مع دول الجوار.
نفذت الأجهزة المختصة خلال الأشهر الماضية مئات العمليات الأمنية التي استهدفت أوكار التصنيع والتخزين والتهريب، بالتزامن مع تفعيل قنوات التعاون الأمني مع الأردن والعراق ولبنان وتركيا، بهدف إغلاق طرق التهريب ومنع إعادة تشكل الشبكات العابرة للحدود.
أرقام تعكس حجم المواجهة
كشف مدير إدارة مكافحة المخدرات في وزارة الداخلية العميد خالد عيد، في تصريح سابق لصحيفة “الثورة السورية”، أن الإدارة نفذت منذ التحرير نحو 1550 عملية أمنية، أسفرت عن تفكيك 90 شبكة تهريب دولية.
أشار عيد إلى أن الضبطيات شملت 697 مليون حبة كبتاغون، و15 طناً من الحشيش، و84.5 كيلوغراماً من مادة الكريستال، و180 كيلوغراماً من الكوكايين، و7 كيلوغرامات من الهيرويين، إضافة إلى 10 ملايين حبة من الأدوية المخدرة، و221 طناً من المواد الأولية المستخدمة في تصنيع المخدرات.
لفت إلى أن العمليات الأمنية أسفرت كذلك عن إغلاق 17 معملاً لإنتاج الكبتاغون، وكشف 20 مستودعاً رئيسياً كانت تستخدم لتخزين المواد المخدرة وتجهيزها قبل تهريبها إلى الخارج.
تعاون إقليمي وتجفيف للمنابع
اعتمدت الحكومة السورية استراتيجية تقوم على الجمع بين العمل الأمني والتنسيق الإقليمي، عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية مع دول الجوار، وتنفيذ عمليات مشتركة لملاحقة المهربين وتعطيل خطوط الإمداد، إلى جانب إطلاق حملات توعية تستهدف الحد من التعاطي داخل المجتمع السوري.
تشير المعطيات الأمنية إلى أن تعطيل خطوط الإنتاج والتهريب انعكس على الأسواق الإقليمية، حيث سجلت بعض دول الجوار ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار الكبتاغون نتيجة تراجع الإمدادات القادمة من سوريا، وهو ما اعتبر مؤشراً على تأثير العمليات المنفذة في إضعاف الشبكات المنظمة.
إشادة أممية بالجهود السورية
أشاد مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC) بالإجراءات التي اتخذتها سوريا لاستهداف البنية الإنتاجية للكبتاغون، مؤكداً أن تفكيك معامل التصنيع ومنشآت التخزين يمثل خطوة مهمة في تقويض هذه الصناعة غير المشروعة.
أكد المكتب أن استمرار التعاون الدولي، وتبادل المعلومات، إلى جانب برامج الوقاية والعلاج والتوعية، يمثل أساساً للحد من انتشار المخدرات ومنع عودة الشبكات التي ازدهرت خلال سنوات الحرب.
تحدٍ طويل الأمد
يبقى ملف المخدرات أحد أكثر الملفات تعقيداً في مرحلة التعافي السوري، إذ إن تفكيك شبكات امتدت لسنوات يحتاج إلى عمل أمني وقضائي وتشريعي متواصل، بالتوازي مع تعزيز التعاون الإقليمي، وتجفيف مصادر التمويل غير المشروع، وحماية المجتمع من آثار التعاطي والاتجار.
يمثل اليوم العالمي لمكافحة المخدرات مناسبة لتأكيد أن مواجهة هذه الظاهرة لا تقتصر على ضبط الشحنات أو ملاحقة المهربين، بل تشمل بناء مؤسسات قادرة على فرض سيادة القانون، وتعزيز الوعي المجتمعي، ومنع تكرار المرحلة التي تحولت فيها سوريا إلى أحد أكبر مراكز إنتاج وتصدير المخدرات في المنطقة، قبل أن تبدأ، بعد سقوط نظام الأسد البائد، مساراً جديداً يستهدف تفكيك هذا الإرث واستعادة الأمن والاستقرار.