الضغط الدراسي بين طموح التفوق ومخاطر الإنهاك النفسي.. مسؤولية مشتركة للأسرة والمدرس

العروبة – خاص
حذّرت الباحثة الاجتماعية إنعام دحام سرحان من الآثار النفسية والتربوية للضغط الدراسي المفرط على الطلاب، ولا سيما عندما تترافق كثرة الواجبات المدرسية مع توقعات الأهل المرتفعة، مشيرة إلى أن هذه الضغوط قد تؤدي إلى القلق والتوتر وضعف التركيز وتراجع التحصيل العلمي، بدلاً من تحقيق التفوق الذي تسعى إليه الأسرة.

وأكدت أهمية تحقيق التوازن بين المتابعة الدراسية واحتياجات الأبناء النفسية والجسدية، من خلال تنظيم أوقات الدراسة والراحة واللعب، واعتماد التشجيع والحوار بدلاً من المقارنة واللوم، بالتعاون بين الأسرة والمدرسة والمرشد التربوي.

الضغط المفرط ونتائج عكسية

أوضحت سرحان، الحاصلة على ماجستير في العلوم والبحوث السكانية، قسم حماية الأسرة، وأخصائية صعوبات التعلم واستشارية البرمجة اللغوية العصبية، في تصريح لـ«العروبة»، أن الضغط النفسي الزائد الذي يمارسه بعض الأهل على أبنائهم، بالتزامن مع كثرة الواجبات المدرسية، قد يؤدي إلى نتائج عكسية لا تنسجم مع الهدف المتمثل في تحسين المستوى الدراسي.

وبيّنت أن الطالب الذي يعيش تحت وطأة الخوف المستمر من الإخفاق أو خيبة أمل والديه يصبح أكثر عرضة للقلق والتوتر والإنهاك النفسي، ما قد يحوّل الدراسة من فرصة لاكتساب المعرفة وتنمية المهارات إلى مصدر للخوف والضغط.

وأشارت إلى أن المبالغة في التوقعات الدراسية قد تدفع الطالب إلى ربط نجاحه وقيمته الشخصية بالعلامات التي يحصل عليها، بدلاً من النظر إلى التعلم بوصفه عملية متدرجة تتطلب الجهد والتجربة وتصحيح الأخطاء.

انعكاسات نفسية وجسدية

لفتت سرحان إلى أن استمرار الضغوط الدراسية قد يؤدي إلى ارتفاع مستويات القلق والتوتر لدى الطالب، وشعوره بالخوف الدائم من الفشل، إلى جانب الإنهاك النفسي والجسدي نتيجة عدم حصوله على الوقت الكافي للراحة واللعب وممارسة الأنشطة التي يحبها.

وأضافت أن هذه الضغوط قد تنعكس على تقدير الطالب لذاته، ولا سيما عندما يربط قيمته الشخصية بنتائجه الدراسية، فيشعر بالإحباط وعدم الكفاءة عند الحصول على درجات متدنية أو الإخفاق في أحد الاختبارات.

وقد تترافق هذه الحالة، بحسب سرحان، مع العزلة الاجتماعية والانسحاب من الأنشطة الترفيهية، فضلاً عن اضطرابات النوم والشهية، والشكوى المتكررة من الصداع وآلام المعدة والغثيان.

وأكدت أن استمرار هذه المؤشرات يستدعي انتباه الأهل إلى الحالة النفسية للطالب، وعدم الاكتفاء بمتابعة علاماته أو مستوى إنجازه للواجبات المدرسية.

القلق يضعف التركيز والتحصيل

أشارت سرحان إلى أن القلق المستمر قد يؤثر في قدرة الطالب على التركيز واستيعاب المعلومات واسترجاعها خلال الامتحانات، ما ينعكس سلباً على أدائه الدراسي.

وأوضحت أن الخوف من النتائج قد يدفع بعض الطلاب إلى الاعتماد على الحفظ المؤقت بدلاً من الفهم، والتركيز على اجتياز الاختبارات بدلاً من اكتساب المعرفة وتنمية مهارات التفكير.

كما أن الخوف من ارتكاب الأخطاء قد يزيد ارتباك الطالب خلال الاختبارات والأنشطة الصفية، ويؤدي إلى تراجع أدائه رغم الجهد الذي يبذله في الدراسة.

وبيّنت أن الضغط المفرط لا يضمن تحسن التحصيل العلمي، بل قد يسهم في انخفاض الدافعية للتعلم وفقدان الاهتمام بالدراسة تدريجياً.

علامات تستدعي انتباه الأهل

حددت سرحان مجموعة من المؤشرات السلوكية والنفسية والجسدية التي قد تدل على تجاوز الضغوط الدراسية قدرة الطالب على التحمل، مؤكدة أهمية ملاحظتها والتعامل معها مبكراً.

وتشمل المؤشرات السلوكية ميل الطالب إلى العزلة والابتعاد عن الأصدقاء والتجمعات العائلية، وفقدان الاهتمام بالهوايات والأنشطة التي كان يستمتع بها سابقاً، إضافة إلى المماطلة في إنجاز الواجبات والتراجع المفاجئ في الدرجات.

وقد يلجأ بعض الطلاب إلى قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات أو النوم هرباً من المسؤوليات الدراسية، وفق ما أوضحته سرحان.

أما المؤشرات النفسية، فتتمثل في سرعة الانفعال والغضب والبكاء لأسباب بسيطة، والقلق المتكرر من الامتحانات والذهاب إلى المدرسة، وفقدان الشغف، والحديث بنبرة يائسة، إلى جانب لوم النفس والشعور المستمر بالتقصير تجاه الأهل.

وتشمل الأعراض الجسدية المحتملة اضطرابات النوم والكوابيس، والصداع وآلام المعدة والغثيان، ولا سيما قبل الذهاب إلى المدرسة، فضلاً عن تغيرات الشهية والشعور بالإرهاق والخمول.

التوازن بين الدراسة والراحة

أكدت سرحان أن تحقيق التوازن بين المتابعة الدراسية ومنح الأبناء الوقت الكافي للراحة واللعب يشكل أساساً مهماً للتعلم السليم وتحقيق نتائج دراسية مستقرة.

وأوضحت أن الدماغ يحتاج إلى فترات راحة لاستيعاب المعلومات وتنظيمها وتثبيتها في الذاكرة، ما يجعل تنظيم الوقت أكثر فائدة من الاستمرار في الدراسة لساعات طويلة دون انقطاع.

ودعت إلى وضع خطط يومية مرنة تشمل أوقات الدراسة والنوم والطعام واللعب، مع إشراك الأبناء في إعداد برامجهم بما يعزز شعورهم بالمسؤولية والاستقلالية.

كما أوصت بتقسيم وقت المذاكرة إلى فترات قصيرة تتخللها استراحات للحركة وشرب الماء، والتركيز على جودة الفهم والاستيعاب بدلاً من قياس الجهد بعدد الساعات التي يقضيها الطالب أمام الكتب.

وشددت على أن الراحة واللعب ليسا مكافأة مشروطة بالحصول على علامات مرتفعة، بل يمثلان حاجة نفسية وجسدية أساسية، داعية إلى تشجيع الأبناء على ممارسة الرياضة والرسم والهوايات والأنشطة الترفيهية.

المرشد التربوي حلقة وصل بين الأسرة والمدرسة

بيّنت سرحان أن المرشد التربوي يؤدي دوراً أساسياً في مساعدة الطلاب على التعامل مع الضغوط الدراسية، من خلال توفير مساحة آمنة للتعبير عن مخاوفهم ومشاعرهم، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم.

وأوضحت أن الدعم الإرشادي يساعد الطالب على التعامل مع القلق والخوف من الفشل، وفصل قيمته الشخصية عن علاماته الدراسية، بما يخفف أثر التوقعات المرتفعة في حالته النفسية.

وأضافت أن دور المرشد يمتد إلى توعية الأهل بمخاطر الضغط النفسي والمبالغة في التوقعات، وتعريفهم بالفروق الفردية بين الأبناء واختلاف قدراتهم وطرائق تعلمهم.

كما يشمل مساعدتهم على استبدال أساليب اللوم والعقاب بالحوار والتشجيع والدعم، بما يسهم في تحسين العلاقة بين الطالب وأسرته.

وأكدت أهمية التنسيق بين المرشد التربوي والمعلمين لمراعاة الحالة النفسية للطلاب، وتجنب إحراجهم أو مقارنتهم بزملائهم، وتقديم المساعدة الأكاديمية المناسبة، مع متابعة تطور حالتهم النفسية ومستواهم الدراسي بصورة دورية.

التشجيع بدلاً من المقارنة واللوم

شددت سرحان على ضرورة الابتعاد عن مقارنة الطلاب بإخوتهم أو زملائهم، لما قد تتركه هذه الممارسات من آثار سلبية على ثقتهم بأنفسهم وشعورهم بالكفاءة.

ودعت الأهل إلى تقدير الجهد الذي يبذله الطالب ومثابرته، وعدم حصر تقييم أدائه في العلامة النهائية، مع التأكيد له أن محبة أسرته وتقديرها لا يرتبطان بنتائجه الدراسية.

كما أكدت أهمية تشجيع الأبناء على اكتشاف مواهبهم واهتماماتهم، وربط التعلم بالحياة اليومية، بما يعزز دافعيتهم ويجعل اكتساب المعرفة تجربة أكثر إيجابية.

وفيما يتعلق بدور المعلمين، دعت إلى التركيز على تطور مستوى الطالب مقارنة بأدائه السابق، بدلاً من مقارنته المستمرة بزملائه.

وأوصت بتنويع أساليب التقييم لتشمل الأنشطة والمشاريع والعمل الجماعي، والتعامل مع الأخطاء بوصفها فرصاً للتعلم وتصحيح المسار، بعيداً عن العقاب والتوبيخ.

بيئة تعليمية تراعي احتياجات الطلاب

أكدت سرحان أن التفوق الدراسي لا يتحقق بالضرورة من خلال كثرة الواجبات أو شدة الرقابة والضغط، وإنما يحتاج إلى بيئة أسرية وتعليمية متوازنة يشعر فيها الطالب بالأمان والثقة والتقدير.

وأوضحت أن هذه البيئة تتيح للطلاب التعلم وفق قدراتهم وإمكاناتهم، وتساعدهم على تنمية مهاراتهم واكتساب المعرفة دون أن تتحول الدراسة إلى مصدر دائم للقلق.

وشددت على أن مسؤولية توفير الدعم النفسي والتربوي تقع على عاتق الأسرة والمدرسة معاً، من خلال التواصل المستمر ومراعاة الفروق الفردية والاحتياجات التعليمية والنفسية للأبناء.

التفوق دون الإضرار بالصحة النفسية

تبرز أهمية التوازن بين الطموح الدراسي واحتياجات الطلاب النفسية في ظل ما قد تسببه التوقعات المرتفعة وكثرة الواجبات من ضغوط تؤثر في دافعيتهم للتعلم ومستوى تحصيلهم.

ويشكل اعتماد الحوار والتشجيع وتنظيم الوقت، إلى جانب توفير فرص الراحة واللعب وتعزيز الإرشاد التربوي، خطوات تساعد على تخفيف هذه الضغوط وتحسين تجربة التعلم.

ويبقى التعاون بين الأسرة والمدرسة أساسياً لبناء بيئة تعليمية تدعم نجاح الطلاب وتنمية قدراتهم، مع المحافظة على صحتهم النفسية وحقهم في الراحة وممارسة الأنشطة المناسبة لأعمارهم.

المزيد...
آخر الأخبار