العروبة – خاص
تستعيد واحة تدمر شيئاً من عافيتها بعد سنوات قاسية تركت آثارها على نخيلها العريق، فالواحة التي ارتبطت بتاريخ المدينة الأثرية شكلت على مدى عقود مصدراً أساسياً للرزق وذاكرة زراعية توارثها أهالي المنطقة، قبل أن تتعرض للتخريب والإهمال وتفقد أعداداً كبيرة من أشجارها.
وأوضح المهندس الزراعي ماهر محمود، من أبناء تدمر في تصريح لـ “العروبة”، أن نخيل واحة تدمر يتميز بتنوع كبير في سلالاته المحلية، إذ تختلف ثماره من حيث اللون بين الأصفر والأحمر والأسود، كما تتباين وفق نسبة الرطوبة بين الرطب والجاف، فضلاً عن اختلاف درجات الحلاوة بين الأصناف مرتفعة ومتوسطة الحلاوة.
وأشار محمود إلى أن هذه السلالات لم تخضع حتى اليوم لتصنيف علمي دقيق ومعتمد، ما يجعل دراستها وتوثيقها ضرورة للحفاظ على التنوع الذي تتميز به الواحة، وتحديد خصائص أصنافها وسلالاتها المحلية.
130 ألف شجرة في واحة تدمر
وبيّن محمود أن عدد أشجار النخيل في واحة تدمر يبلغ حالياً نحو 130 ألف شجرة بين صغيرة وكبيرة، بعد أن كان العدد يقارب 200 ألف شجرة قبل عام 2015، لافتاً إلى أن نحو 60 ألف شجرة منها في حالة جيدة، بينما تحتاج معظم الأشجار إلى خدمات زراعية منتظمة وتأمين الري والرعاية اللازمة لاستعادة إنتاجيتها.
وأضاف أن مساحة الواحة تصل إلى نحو 3 آلاف هكتار، ما يجعلها من أكبر واحات النخيل في سوريا، موضحاً أن سنوات الحرب ألحقت بها أضراراً واسعة نتيجة القطع والحرق والإهمال، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أعداد الأشجار ومستويات الإنتاج الزراعي.
من التلقيح إلى القطاف
وأوضح محمود أن النخيل من الأشجار ثنائية المسكن، إذ توجد أشجار مذكرة وأخرى مؤنثة، وتنضج الأزهار المذكرة خلال شهر نيسان، لتبدأ بعدها عملية تلقيح الأغصان الأنثوية بواسطة الفلاحين، أو من خلال الرياح والحشرات المختلفة.
وأشار إلى أن الثمار تبدأ بالنضج خلال شهر تشرين الأول، لتبدأ معها عمليات القطاف وجمع المحصول وتجهيزه للبيع والاستهلاك، في موسم كان يمثل في السابق حدثاً اقتصادياً واجتماعياً مهماً بالنسبة إلى أهالي تدمر.
سلالات محلية تنتظر التوصيف
وكشف محمود أن واحة تدمر تنتج أصنافاً مميزة من التمور، أبرزها القصبي والبلوري والأصفر والأشقر والأسود، إلى جانب نحو 25 صنفاً وسلالة بذرية محلية لا تزال قيد التوصيف والحصر، تمهيداً لاعتمادها أصنافاً سورية رسمية.
ولفت إلى أن «القصبي» يعد من أشهر أصناف التمور التدمرية وأكثرها طلباً لما يتمتع به من مذاق خاص، فيما يعرف «البلوري» بجودة ثماره وصفائها، بينما تتباين أصناف الأصفر والأشقر والأسود في ألوانها ودرجة حلاوتها وخصائصها الغذائية ومواعيد نضجها.
سوق موسمي ارتبط بذاكرة المدينة
واستذكر محمود المكانة التي كان يحتلها موسم التمور في حياة أهالي تدمر، إذ لم يكن مجرد موسم زراعي للقطاف، بل مناسبة اجتماعية واقتصادية تنتظرها المدينة، وكان يقام خلالها سوق موسمي يمتد نحو ثلاثة أشهر، خلال تشرين الأول وتشرين الثاني وكانون الأول.
وأضاف أن السوق كان يعرض مختلف أصناف التمور المنتجة في الواحة، ويستقطب الأهالي والزوار والسياح الأجانب، ليشكل مساحة للتبادل التجاري والتعريف بمنتجات النخيل التي أصبحت جزءاً من الهوية الزراعية للمدينة.
الحرب تبدد سنوات من الازدهار
وبيّن محمود أن زراعة النخيل في تدمر بلغت ذروة ازدهارها عام 2010، عندما وصلت المساحة المزروعة إلى نحو 900 هكتار، وبلغ عدد الأشجار قرابة 230 ألف شجرة، بإنتاج وصل إلى نحو 2083 طناً من التمور والبلح.
وأضاف أن بساتين تدمر التاريخية كانت تضم نحو 420 هكتاراً وأكثر من 130 ألف نخلة، إلى جانب مساحات واسعة من أشجار الزيتون، كما احتضنت المنطقة ثلاثة مراكز لإكثار النخيل تتبع لمديرية زراعة حمص.
وأشار إلى أن تلك المراكز تعرضت خلال سنوات الحرب للتخريب والحرق واليباس، ما تسبب بتضرر نحو 80 بالمئة من أشجارها، وأفقد قطاع النخيل في المنطقة جزءاً مهماً من قدراته الإنتاجية.
نبع أفقا يعيد الأمل إلى الواحة
وكشف محمود عن بدء محاولات إعادة تأهيل الواحة تدريجياً، بالتزامن مع عودة تدفق نبع أفقا التاريخي وعودة الأهالي إلى المنطقة، من خلال تنظيم عمليات الري والعناية بالأشجار المتبقية والعمل على تعويض النقص الذي أصابها.
وأوضح أن موقع الواحة في قلب بادية الشام، على بعد 243 كيلومتراً من دمشق و160 كيلومتراً عن حمص، لم يمنع نخيلها من الاستمرار في مقاومة الظروف الصعبة، ليبقى شاهداً على تاريخ زراعي عريق ارتبط بحياة سكان تدمر.
وتستعيد الواحة خضرتها تدريجياً مع عودة الاهتمام بأشجارها، فيما يتجاوز إنقاذ نخيل تدمر البعد الزراعي والإنتاجي إلى حماية ذاكرة المكان وتراثه، إذ تبقى النخلة جزءاً من حياة الأهالي وحكاية مدينة صنعت عبر تاريخها مساحة خضراء نابضة بالحياة في قلب الصحراء.
المزيد...