معالم من حمص: جامع خالد بن الوليد.. حكاية معلم تاريخي جمع أبناء حمص وشهد ثورتهم وتهجيرهم

العروبة – خاص
يقف جامع خالد بن الوليد في حي الخالدية بمدينة حمص شاهداً على قرون من التاريخ، ومحطات مفصلية من الثورة السورية، بعدما ارتبط اسمه بالمظاهرات وتشييع الشهداء والقصف الذي تعرضت له المدينة، وصولاً إلى مشاهد وداع الثوار قبيل خروجهم من حمص القديمة في أيار 2014، ليجمع بين قيمته الدينية والمعمارية ومكانته في الذاكرة الجماعية لأبناء حمص.

ويُعرف الجامع بين أبناء المدينة باسم «جامع سيدي خالد»، ويتميز بمئذنتيه وقبابه وحجارته السوداء والبيضاء، التي تعكس جانباً من الهوية العمرانية لحمص، فيما تختزن أروقته وجدرانه حكايات متعاقبة من تاريخ المدينة، منذ مراحل بنائه الأولى وصولاً إلى سنوات الثورة والحرب.

ولا تنحصر أهمية الجامع في كونه أحد أبرز المعالم الدينية والتاريخية في حمص، بل تمتد إلى ارتباطه بالحياة الاجتماعية لأبنائها، ومشاركة حرفيين ومعماريين من مختلف الطوائف في تشييده، قبل أن يتحول خلال الثورة السورية إلى أحد أبرز الأماكن المرتبطة بأحداثها وذاكرتها.

من الضريح إلى الجامع

تعود البدايات الأولى للاهتمام بالمقام، وفق الروايات التاريخية الواردة عن الجامع، إلى العصر المملوكي، حين أمر السلطان الظاهر بيبرس، خلال مروره بحمص عام 664 للهجرة، بإقامة ضريح يليق بمكانة الصحابي خالد بن الوليد.

واقتصر البناء في تلك المرحلة على ضريح خشبي حمل نقوشاً توثق انتصارات السلطان، فيما تشير الروايات إلى أن سلاطين مماليك آخرين تركوا نقوشاً مرتبطة بانتصاراتهم، ومن بينهم السلطان الأشرف صلاح الدين خليل، الذي ارتبط اسمه بالانتصارات على الصليبيين في الساحل أواخر القرن الثالث عشر الميلادي.

أما الجامع بشكله المعماري المعروف اليوم، فتعود مراحل تشييده إلى العهد العثماني، وتحديداً أواخر القرن التاسع عشر، حين بدأ العمل على إنشاء صرح ديني يتميز بطرازه المعماري وحجمه وموقعه بجوار المقام.

حكاية بناء بدأت من إسطنبول

يروي المؤرخ الحمصي فيصل شيخاني أن فكرة تشييد الجامع ارتبطت بالسلطان العثماني عبد الحميد الثاني، الذي أراد مكافأة الشيخ محمد سعيد زين العابدين، بعد نجاحه في علاج شقيقته من مرض استعصى على الأطباء.

وبحسب الرواية التي نقلها شيخاني، عرض السلطان على الشيخ اختيار هدية من أملاك السلطنة، إلا أنه رفض في البداية قبول الأراضي والأموال، قبل أن يطلب تشييد جامع في حمص يحاكي في جماله وفخامته جامع السلطان أحمد في إسطنبول، ويُقام بجوار مقام الصحابي خالد بن الوليد.

وشهدت المرحلة التالية إعداد التصاميم المعمارية المستوحاة من الطراز العثماني، مع الاستفادة من عناصر معمارية مصرية، ما منح الجامع طابعاً يجمع بين مدارس معمارية متعددة.
وتشير بعض الروايات إلى قدوم مهندس من إسطنبول للإشراف على إعداد المخططات، فيما ارتبط اسم المهندس علاء الدين أولسوي بأعمال التصميم، وخُصص له مكان في المتحف الإسلامي الموجود داخل الجامع.

أيدٍ حمصية شاركت في التشييد

لم تقتصر أعمال بناء الجامع على الخبرات المعمارية الوافدة، بل شارك فيها أبناء حمص من أحياء وخلفيات اجتماعية ودينية مختلفة، من خلال نقل الحجارة وتجهيز المواد والمساهمة في أعمال البناء والزخرفة.

واستُخدمت في التشييد مواد محلية، من بينها الكلس والتراب والحجر الأسود، فيما صُنعت القرميدات التي غطت القباب بأيدٍ حمصية، وجُلبت الحجارة البيضاء من حماة ومناطق أخرى، واستُخدم الرخام في تزيين المنبر والمحراب.

وبرز في أعمال البناء المعماري عارف بن عبد الله خزام، المعروف بلقب «المعمار باشا»، الذي أسهم في تشييد الأروقة والصحن والبحيرة.

كما شارك المعماري إميل عارف خزام في تنفيذ أجزاء من البناء، ولا سيما الأقواس والمصلبات، وأسهم مطانيوس خزام في تشييد الجدران والمآذن، بمشاركة ودعم من عائلات حمصية، بينها آل سارة وآل برجود.

وتحمل هذه المشاركة دلالة اجتماعية تتجاوز الجانب المعماري، إذ أسهم حرفيون ومعماريون مسلمون ومسيحيون في تشييد أحد أبرز المعالم الإسلامية في المدينة، في صورة تعكس علاقات التعاون والتعايش التي عرفتها حمص.

عمارة تجمع الحجر الأسود والأبيض
يتميز جامع خالد بن الوليد بطراز معماري يجمع بين التأثيرات العثمانية والمصرية واللمسات المحلية، مع حضور واضح للحجر الأبلق القائم على التناوب بين الحجارة السوداء والبيضاء.

ويظهر هذا النمط في الأروقة والأقواس، منسجماً مع الطابع العمراني لمدينة حمص، المعروفة تاريخياً بلقب «أم الحجار السود».

ويضم الجامع تسع قباب، تتوسطها قبة رئيسية يبلغ ارتفاعها نحو 30 متراً، فيما تشكل مئذنتاه المشيدتان بالحجر الأبيض علامتين بارزتين في أفق المدينة.

كما يضم صدر الصحن ثلاثة محاريب، يتألف كل منها من عمودين من الرخام الأبيض، ويتميز المحراب الأوسط بزخارف هندسية تتداخل فيها الألوان الأحمر والأسود والأبيض.

وتمنح هذه العناصر الجامع خصوصيته المعمارية، من خلال الجمع بين اتساع القباب ودقة الزخارف وتناسق الحجارة، بما يعكس مراحل تطور فنون البناء التي أسهمت في تشكيل هويته.

ترميمات وتوسعات عبر العقود
شهد جامع خالد بن الوليد أعمال ترميم وتطوير في مراحل مختلفة، بهدف المحافظة على بنيته المعمارية وتوسيع مرافقه الدينية والثقافية.

وبدأت بعض أعمال التحديث والترميم عام 1912، بمشاركة بنائين من حمص، بعد نقاشات بين السكان المحليين والسلطات العثمانية.

وفي عام 1959، أُجريت أعمال ترميم إضافية، فيما شهد عام 1972 إنشاء مدرسة وقاعات للمحاضرات ومتحف للآثار الإسلامية داخل الجامع.

وأسهمت هذه الإضافات في تعزيز دوره بوصفه مكاناً للعبادة والتعليم والتعريف بالتراث الإسلامي، إلى جانب مكانته التاريخية والسياحية في المدينة.

مقام خالد بن الوليد ورمزية المكان
يضم الجامع ضريحاً منسوباً إلى الصحابي خالد بن الوليد، يقع إلى يمين الداخل من الباب الرئيسي، ويشكل أحد أبرز عناصر المكان الدينية والتاريخية.

ويقصده الزوار لاستحضار سيرة الصحابي ومكانته في التاريخ الإسلامي، فيما يحتفظ الجامع بحضور خاص لدى أبناء حمص الذين ارتبطوا به عبر الأجيال.

وتعززت هذه المكانة من خلال دوره في الحياة الاجتماعية والدينية للمدينة، قبل أن تضيف سنوات الثورة السورية إلى تاريخه محطات جديدة جعلته جزءاً من الذاكرة المعاصرة لحمص.

الجامع في ذاكرة الثورة السورية

ارتبط جامع خالد بن الوليد بالمظاهرات التي شهدتها حمص خلال الثورة السورية، وأصبح أحد الأماكن التي تستحضرها ذاكرة أبناء المدينة عند الحديث عن الاحتجاجات وتشييع الشهداء.

وشكّل محيط الجامع خلال تلك المرحلة جزءاً من المشهد الثوري في حمص، حيث ارتبط اسمه بتجمعات المتظاهرين ومراسم تشييع الضحايا، قبل أن تطال العمليات العسكرية حي الخالدية ومناطق واسعة من المدينة.

ومع تصاعد القصف والحصار، لم يعد الجامع شاهداً على المظاهرات والتشييع فحسب، بل أصبح هو نفسه هدفاً للقصف الذي ألحق أضراراً كبيرة ببنائه التاريخي.

قصف عام 2013 وأضرار في الضريح

تعرض جامع خالد بن الوليد لقصف متكرر من قوات نظام الأسد خلال الأعوام الأولى من الثورة السورية، ما أدى إلى تضرر أجزاء واسعة من بنيته المعمارية.

وفي تموز 2013، تعرض الجامع لقصف عنيف تسبب بأضرار كبيرة في بنائه، وطالت الأضرار الضريح المنسوب إلى الصحابي خالد بن الوليد، إثر انهيار كتل إسمنتية عليه.

وشكّل تضرر الجامع خسارة لمعْلم يحمل قيمة دينية وتاريخية ومعمارية، إلى جانب مكانته في ذاكرة أبناء حمص، الذين شهدوا تعرض أحد أبرز رموز مدينتهم للدمار خلال العمليات العسكرية.

ولم تقتصر آثار القصف على الجوانب الإنشائية والزخرفية، بل امتدت إلى الرمزية التي يحملها المكان، بوصفه معلماً ارتبط بتاريخ المدينة وحياة سكانها وأحداث الثورة السورية.

صلاة الوداع وذاكرة التهجير

من بين المشاهد التي بقيت مرتبطة بجامع خالد بن الوليد، صورة للثوار وهم يؤدون صلاة الوداع أمامه قبيل خروجهم من حمص القديمة في أيار 2014، بعد حصار طويل.

وتستحضر هذه الصورة واحدة من أصعب المحطات التي عاشتها المدينة، حين اضطر المقاتلون إلى مغادرة الأحياء التي دافعوا عنها، في مشهد ارتبط بذاكرة الحصار والتهجير والفقد.

واكتسب الجامع من خلال تلك اللحظات رمزية إضافية، بعدما جمع في ذاكرته مظاهرات الثورة وتشييع الشهداء وآثار القصف، وصولاً إلى وداع الخارجين من المدينة.

وبقيت صورة الصلاة أمام الجامع شاهداً بصرياً على تلك المرحلة، بما تحمله من دلالات على ارتباط أبناء حمص بأحيائهم ومعالمهم الدينية والتاريخية.

توثيق القصف واستحضار الذاكرة

عادت مشاهد القصف الذي تعرض له الجامع إلى الواجهة خلال زيارة وزير الداخلية أنس خطاب إلى حمص في 30 أيلول 2026، برفقة محافظ حمص مرهف النعسان ومفتي حمص الشيخ سهل جنيد.

واطلع الوزير خلال الزيارة على معالم الجامع ومكانته التاريخية والدينية، وشاهد عرضاً مصوراً على شاشة داخل المسجد يوثق القصف الذي تعرض له خلال العمليات العسكرية، ويظهر جانباً من الأضرار التي لحقت ببنائه.

ويعكس عرض هذه المشاهد استمرار حضور سنوات الحرب والثورة في ذاكرة الجامع، إلى جانب تاريخه المعماري والديني الممتد عبر قرون.

معلم تختزن جدرانه ذاكرة حمص

يجمع جامع خالد بن الوليد بين مراحل تاريخية متعاقبة، بدأت بالاهتمام بالمقام في العصر المملوكي، وامتدت إلى تشييد الجامع في العهد العثماني، ومشاركة أبناء حمص في بنائه وترميمه.

وأضيفت إلى هذا التاريخ خلال الثورة السورية مشاهد المظاهرات وتشييع الشهداء والقصف والتهجير، لتصبح ذاكرة الجامع مرتبطة بتاريخ المدينة القديم وتحولاتها المعاصرة.

وبين قبابه ومئذنتيه وحجارته التي شهدت أحداثاً متعاقبة، يبقى جامع خالد بن الوليد أحد أبرز معالم حمص الدينية والتاريخية، وشاهداً على ما عاشته المدينة خلال سنوات الثورة السورية.

المزيد...
آخر الأخبار