من المنزل إلى المدرسة .. كيف نزرع الوعي البيئي في سلوك أطفالنا..؟ 

العروبة – خاص

 

تبدأ تنمية الوعي البيئي لدى الأطفال من ممارسات يومية بسيطة داخل المنزل، مثل إغلاق صنابير المياه وإطفاء الأنوار غير الضرورية والمحافظة على النظافة، قبل أن تتعزز في المدرسة من خلال التعليم والأنشطة العملية، لتتحول تدريجياً إلى عادات تسهم في حماية الموارد والمرافق العامة.

 

وتبرز بمناسبة يوم البيئة الوطني أهمية تكامل أدوار الأسرة والمدرسة والمجتمع في بناء سلوك بيئي مسؤول، ولا سيما أن مرحلة الطفولة تشكل أساساً لاكتساب القيم والعادات من خلال الملاحظة والتقليد والممارسة.

 

وأوضحت الباحثة الاجتماعية إنعام دحام سرحان، في تصريح لـ«العروبة»، أن الأسرة تمثل البيئة الأولى التي يكتسب منها الطفل سلوكياته وقيمه، فيما تسهم المدرسة في توسيع معارفه وتنظيم ممارساته، ويعزز المجتمع المحلي استمرارية هذه السلوكيات خارج المنزل والصف الدراسي.

 

الأسرة.. القدوة قبل التوجيه

 

أكدت سرحان أن الطفل يتأثر بسلوك والديه أكثر من تأثره بالتعليمات المباشرة، ما يجعل القدوة اليومية من أهم وسائل غرس الوعي البيئي لديه.

 

وأشارت إلى أن إطفاء الأنوار عند عدم الحاجة إليها، وإغلاق صنابير المياه، وتجنب رمي النفايات عشوائياً، ممارسات يكتسبها الطفل عندما يشاهد أفراد أسرته يلتزمون بها باستمرار.

 

وبيّنت أهمية إشراك الأطفال في أنشطة منزلية بسيطة، مثل ري النباتات وترتيب الألعاب وفرز المواد القابلة لإعادة الاستخدام، إلى جانب التبرع بالملابس والألعاب التي لم يعودوا بحاجة إليها، واستخدام الحقائب القماشية بدلاً من الأكياس البلاستيكية والحد من هدر الطعام.

 

ولفتت إلى أن تكليف الطفل بمسؤوليات تناسب عمره، كترتيب غرفته ومتابعة إطفاء الإنارة غير الضرورية، يعزز شعوره بالمسؤولية ويجعله شريكاً في المحافظة على موارد المنزل.

 

وشددت سرحان على أهمية اعتماد التشجيع والتحفيز بدلاً من الصراخ واللوم، مع شرح أسباب المحافظة على النظافة والموارد بلغة بسيطة، حتى يدرك الطفل أثر سلوكه في البيئة المحيطة به.

 

المدرسة.. تحويل المعرفة إلى ممارسة

 

أوضحت سرحان أن دور المدرسة لا يقتصر على تقديم المعلومات المتعلقة بالبيئة، بل يمتد إلى تحويلها إلى ممارسات عملية يشارك فيها الطلاب بصورة منتظمة.

 

وبيّنت أن دمج موضوعات التلوث والتغير المناخي والأمن المائي والطاقة المتجددة في الأنشطة التعليمية يساعد الطلاب على فهم التحديات البيئية والتفكير في حلول للمشكلات المحيطة بهم.

 

واقترحت تشكيل جماعات طلابية، مثل «أصدقاء البيئة»، تتولى نشر ثقافة النظافة وترشيد استهلاك المياه والكهرباء، إلى جانب توفير حاويات لفرز النفايات وتنظيم ورش لإعادة تدوير الورق والكرتون والبلاستيك.

 

كما أشارت إلى أهمية تخصيص أحواض زراعية داخل المدارس يتولى الطلاب رعايتها، بما يعزز ارتباطهم بالنباتات والمساحات الخضراء ويمنحهم فرصة لتطبيق ما يتعلمونه.

 

وأكدت أن المحافظة على البيئة المدرسية تبدأ من الغرفة الصفية، عبر جمع المخلفات وترتيب المقاعد والأدوات، وتمتد إلى الممرات والساحات والمكتبات والمختبرات والمرافق الصحية.

 

وتشمل هذه الممارسات وضع النفايات في الحاويات المخصصة، وإغلاق صنابير المياه، والمحافظة على الكتب والتجهيزات، والامتناع عن الكتابة على المقاعد والجدران أو إتلاف الممتلكات العامة.

 

التعلم بالتجربة والأنشطة الميدانية

 

لفتت سرحان إلى أهمية تنظيم أنشطة تعليمية تتيح للطلاب التعرف مباشرة إلى القضايا البيئية، مثل زيارة المحميات الطبيعية ومراكز إعادة التدوير ومحطات تنقية المياه.

 

وأوضحت أن المسابقات المدرسية المتعلقة بترشيد الطاقة وتقليل النفايات، وتكريم الطلاب الملتزمين، تسهم في تعزيز المشاركة وتحويل السلوك البيئي إلى ممارسة جماعية.

 

كما دعت إلى أن تكون المدرسة نفسها نموذجاً في المحافظة على الموارد، من خلال الاستفادة من الإضاءة الطبيعية وتقليل استهلاك الورق وتطبيق إجراءات ترشيد المياه والكهرباء.

 

وأشارت إلى أن مشاركة الطلاب في هذه الأنشطة تساعدهم على ربط المعلومات النظرية بحياتهم اليومية، وتعزز قدرتهم على تحمل المسؤولية والعمل الجماعي.

 

أربعة مجالات لترسيخ السلوك البيئي

 

حددت سرحان أربعة مجالات رئيسية يظهر فيها أثر التوعية البيئية لدى الأطفال، تشمل الحد من النفايات، وترشيد استهلاك الموارد، والعناية بالنباتات، والمحافظة على المرافق العامة.

 

وأوضحت أن الحد من النفايات يبدأ بتعويد الطفل استخدام الأدوات القابلة لإعادة الاستخدام، وفرز الورق والبلاستيك وبقايا الطعام، وتجنب الهدر في القرطاسية والألعاب والمستلزمات اليومية.

 

أما ترشيد الموارد، فيشمل إغلاق الصنبور أثناء تنظيف الأسنان، وتقليل استهلاك المياه خلال الاستحمام، وإطفاء الأجهزة والإنارة عند عدم الحاجة إليها، والاستفادة من الضوء الطبيعي.

 

وفي مجال العناية بالنباتات، أكدت أهمية تعليم الأطفال سقايتها ورعايتها بانتظام، وعدم قطف الأزهار عشوائياً أو إتلاف المساحات الخضراء، مع تعريفهم بدور الأشجار في الحفاظ على التوازن البيئي.

 

كما تمتد المسؤولية البيئية إلى الحدائق والساحات العامة، من خلال وضع النفايات في أماكنها، والمحافظة على المقاعد والألعاب، والمشاركة في حملات التنظيف والتشجير.

 

وشددت على ضرورة أن يفهم الطفل أسباب هذه الممارسات وفوائدها، بدلاً من الالتزام بها خوفاً من العقاب، لأن الاقتناع بأهميتها يساعد على استمرارها وتحولها إلى عادات راسخة.

 

من المدرسة إلى الحي.. مشاركة مجتمعية أوسع

 

رأت سرحان أن توسيع الأنشطة البيئية لتشمل الأهالي والمجتمع المحلي يعزز أثر التوعية، ويجعل المحافظة على البيئة مسؤولية مشتركة تتجاوز حدود المنزل والمدرسة.

 

واقترحت تنظيم حملات تشجير في محيط المدارس والحدائق العامة، يشارك فيها الطلاب وأسرهم بالتعاون مع البلديات والمشاتل المحلية، إلى جانب إقامة أسواق لتبادل الكتب والألعاب والملابس والأجهزة الصالحة للاستخدام.

 

وأوضحت أن هذه المبادرات تسهم في تعزيز ثقافة إعادة الاستخدام والحد من النفايات، وتتيح للأطفال المشاركة في أنشطة تجمع بين الفائدة البيئية والتعاون الاجتماعي.

 

كما أشارت إلى إمكانية تنظيم ورش مشتركة لتعليم الأسر والطلاب تحويل بقايا الخضار والفواكه إلى سماد طبيعي، والاستفادة من الأقمشة القديمة في صناعة حقائب قابلة لإعادة الاستخدام.

 

وتشمل المبادرات المقترحة حملات تنظيف الأحياء والمساحات العامة بالتعاون مع الجمعيات البيئية، وتشكيل مجالس بيئية تضم إدارات المدارس والمعلمين وأولياء الأمور للمساهمة في وضع خطط لترشيد الموارد.

 

وأضافت أن التعاون المحلي يمكن أن يسهم في دعم مشاريع بيئية مدرسية، مثل استخدام الطاقة الشمسية، وتشجيع وسائل النقل الجماعي للحد من الازدحام والانبعاثات.

 

عقبات تحد من تنفيذ المبادرات

 

أشارت سرحان إلى أن نشر الوعي البيئي يواجه تحديات تتعلق بضعف اهتمام بعض الأسر بالقضايا البيئية، والنظر إلى الأنشطة المرتبطة بها باعتبارها أقل أهمية من التحصيل الدراسي.

 

وبيّنت أن بعض السلوكيات ترتبط أيضاً بالاعتقاد بأن نظافة الأماكن العامة مسؤولية الجهات الحكومية وعمال النظافة وحدهم، ما يضعف شعور الأفراد بمسؤوليتهم تجاه المرافق المشتركة.

 

وتضاف إلى هذه التحديات ضغوط العمل والالتزامات الأسرية، وازدحام المناهج الدراسية، ومحدودية التمويل اللازم لتوفير الشتلات والحاويات وأدوات السلامة.

 

كما تشمل الصعوبات ضعف الدعم المحلي لبعض المبادرات، ومتطلبات تنظيم الرحلات والأنشطة خارج المدارس، وتأمين المواصلات والموافقات اللازمة، إلى جانب غياب التنسيق المستمر بين المؤسسات التعليمية والجمعيات البيئية والجهات البلدية.

 

ودعت سرحان إلى تجاوز هذه العقبات بالبدء بأنشطة بسيطة وقليلة التكلفة، مثل حملات التوعية وتبادل الكتب ودمج التطبيقات البيئية في الدروس، مع تفعيل العمل التطوعي وتعزيز التعاون بين المدارس والأسر والجهات المحلية.

 

وأكدت أهمية تقديم شهادات التقدير وإبراز المبادرات الناجحة، بما يشجع الطلاب والأهالي على المشاركة ويساعد على استمرار الأنشطة.

 

التشجيع بدلاً من العقاب

 

شددت سرحان على أن ترسيخ السلوك البيئي لدى الأطفال يتطلب أساليب تربوية إيجابية تقوم على التشجيع والمشاركة، بدلاً من الاكتفاء بالتعليمات أو اللجوء إلى العقاب.

 

وأوضحت أن تكليف الطفل بمهام تتناسب مع عمره، مثل إغلاق الصنبور أثناء تنظيف الأسنان، وإطفاء الأنوار غير الضرورية، وأخذ الكمية التي يحتاج إليها من الطعام، يساعده على إدراك قيمة الموارد وأهمية المحافظة عليها.

 

كما يسهم إشراكه في ترتيب المنزل والعناية بالنباتات وجمع مخلفاته خلال الرحلات في تعزيز شعوره بالمسؤولية والانتماء إلى المكان.

 

وأكدت أن الثناء على السلوك الإيجابي وتحويل بعض المهام إلى أنشطة ممتعة يساعدان على تعزيز التزام الطفل، ويجعلان المحافظة على البيئة جزءاً من حياته اليومية.

 

مسؤولية تبدأ من الطفولة

 

خلصت الباحثة الاجتماعية إنعام دحام سرحان إلى أن بناء الوعي البيئي يبدأ من تفاصيل الحياة اليومية، ويتطلب تكامل أدوار الأسرة والمدرسة والمجتمع.

 

وأكدت أن الطفل الذي يجد القدوة في منزله، ويمارس ما يتعلمه في مدرسته، ويشارك في مبادرات مجتمعه، يكون أكثر قدرة على تبني سلوكيات تحافظ على الموارد والمرافق العامة، وتحويلها إلى عادات تستمر معه في مراحل حياته المقبلة.

المزيد...
آخر الأخبار