صناعة الغربال.. حرفة تراثية تقاوم تراجع الطلب وتغير أدوات الزراعة

العروبة – خاص

 

تواصل صناعة الغربال حضورها بين الحرف التقليدية المرتبطة بالحياة الزراعية، رغم تراجع الطلب عليها مع تطور وسائل تنقية الحبوب وانتشار المنتجات المستوردة، فيما يتمسك بعض الحرفيين بممارستها، محافظين على خبرة توارثوها عن آبائهم، في مواجهة صعوبات تأمين المواد الأولية وتغير احتياجات السوق.

 

وتعد صناعة الغربال من المهن اليدوية التي ارتبطت بتنقية المحاصيل الزراعية، ولا سيما القمح والشعير والكمون، إذ كانت هذه الأداة جزءاً من العمل الزراعي اليومي، قبل أن تتراجع استخداماتها مع انتشار الوسائل الحديثة.

 

من الخشب إلى الغربال

 

أوضح الحرفي عبد الناصر البواب، في حديث لـ«العروبة»، أن صناعة الغربال تبدأ بتجهيز قطع الخشب وتقطيعها وفق المقاسات المطلوبة، ثم لفها باستخدام أداة تُعرف باللفّافة، لتأخذ الشكل الدائري الذي يشكل الإطار الأساسي للغربال.

 

وبيّن أن المرحلة التالية تتضمن تثبيت أطراف الإطار الخشبي بعضها ببعض، وهي عملية كانت تُنفذ باستخدام المسامير، قبل أن تدخل الكبّاسات إلى العمل وتصبح بديلاً يساعد على تسريع الإنتاج وتسهيل تثبيت الأجزاء.

 

وأضاف أن الحرفي ينتقل بعد تجهيز الإطار إلى تركيب الشبك وتثبيته داخله، ليصبح الغربال جاهزاً للاستخدام في تنقية الحبوب والمحاصيل الزراعية.

 

وأشار البواب إلى أن بعض مراحل التصنيع شهدت تطوراً في الأدوات المستخدمة، مع بقاء العمل معتمداً على الخبرة اليدوية في تشكيل الخشب وتجهيز الغربال.

 

تراجع الطلب مع تطور الأدوات الزراعية

 

لفت البواب إلى أن الغرابيل كانت تحظى بطلب واسع في الماضي، نظراً إلى اعتماد المزارعين عليها في تنقية الحبوب والمحاصيل، ومنها القمح والشعير والكمون.

 

وأوضح أن استخدام الغربال تراجع مع انتشار الوسائل الحديثة والمنتجات المستوردة، التي أثرت في سوق هذه الحرفة وغيرها من المهن التقليدية.

 

وبيّن أن الطلب لم يتوقف بصورة كاملة، إذ لا يزال بعض أصحاب الأراضي الزراعية الصغيرة يستخدمون الغرابيل للتعامل مع كميات محدودة من المحاصيل، في حين تعتمد الأعمال الزراعية الكبيرة على وسائل تتناسب مع حجم إنتاجها.

 

ويعكس هذا التحول تغير طبيعة السوق، بعدما انتقلت صناعة الغربال من أداة واسعة الاستخدام في الأعمال الزراعية إلى منتج تقليدي يخدم احتياجات أكثر محدودية.

 

خشب الزان المستورد بديلاً عن المحلي

 

أشار البواب إلى أن تأمين المواد الأولية يمثل إحدى أبرز الصعوبات التي تواجهه في استمرار العمل، ولا سيما مع تراجع إمكانية الحصول على أنواع الخشب المحلي التي كان يعتمد عليها سابقاً.

 

وأوضح أنه يستخدم حالياً خشب الزان المستورد في تصنيع الغرابيل، بعد أن أصبح تأمين الخشب المحلي أكثر صعوبة، وفق تجربته في المهنة.

 

وأضاف أن خشب الزان يحقق النتيجة المطلوبة في تشكيل الإطار الخشبي، إلى جانب انخفاض تكلفته مقارنة ببعض البدائل التي استخدمها سابقاً، ما يساعده على مواصلة الإنتاج.

 

وتبرز أهمية توافر المواد الأولية المناسبة في حرفة تعتمد على تشكيل الخشب وثنيه وتثبيته، وتتطلب المحافظة على جودة الإطار وقدرته على تحمل الاستخدام.

 

مهنة موروثة تتكيف مع تغير السوق

 

تعكس تجربة الحرفي عبد الناصر البواب جانباً من التحديات التي تواجه المهن التراثية، في ظل تغير أساليب الإنتاج وتراجع الاعتماد على الأدوات اليدوية التقليدية.

 

ورغم محدودية الطلب مقارنة بالماضي، لا تزال صناعة الغربال تحتفظ باستخداماتها لدى بعض المزارعين، فيما يسعى الحرفيون إلى الاستمرار من خلال التكيف مع المواد والأدوات المتاحة.

 

وبين الخبرة المتوارثة والتغيرات التي فرضتها الأسواق ووسائل الإنتاج، تبقى صناعة الغربال إحدى الحرف المرتبطة بالذاكرة الزراعية والتراث الإنتاجي المحلي.

المزيد...
آخر الأخبار