العروبة – خاص
تواجه أسر في حمص خيارات معيشية صعبة مع ارتفاع تكاليف إصلاح الأجهزة المنزلية والمستلزمات اليومية، بالتزامن مع غلاء الأسعار ومحدودية الدخل، إذ بات تعطل جهاز أساسي أو تلف أحد الاحتياجات الشخصية يفرض حسابات مالية تتجاوز كلفة الصيانة إلى القدرة على تأمين متطلبات الحياة الأخرى.
وتجد بعض الأسر نفسها مضطرة إلى تأجيل إصلاح أجهزتها أو الاستغناء مؤقتاً عن استخدامها، فيما تلجأ أخرى إلى إطالة عمر الملابس والأحذية القديمة، بعدما أصبح شراء البدائل الجديدة عبئاً يصعب تحمله.
وبين كلفة الإصلاح وثمن الاستبدال، تتراجع مساحة الاختيار أمام الأسر محدودة الدخل، لتصبح الأولوية لتأمين الضروريات، حتى عندما يتعلق الأمر بأجهزة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة.
براد معطّل وكلفة تتجاوز ضعف المعاش
تروي السيدة أم هاني، البالغة من العمر سبعين عاماً، معاناتها مع تعطل برادها القديم، الذي توقف عن العمل وبقي في منزلها من دون أن تتمكن من إصلاحه أو شراء بديل عنه.
وتوضح لـ«العروبة» أن مصلح الأجهزة أبلغها بضرورة تبديل محرك البراد وعدد من القطع الأخرى، بكلفة تتراوح بين 8000 و10500 ليرة سورية جديدة، وهو مبلغ يتجاوز ضعف معاشها التقاعدي البالغ 4000 ليرة.
وتشير إلى أن دخلها المحدود لا يكفي لتغطية نفقاتها المعيشية الأساسية، ما يجعل تأمين كلفة الإصلاح أمراً بالغ الصعوبة، في حين يبقى شراء براد جديد خارج إمكاناتها المالية.
ولا تقتصر معاناة أم هاني على تعطل الجهاز، إذ تواجه صعوبة في حفظ الأطعمة وتدبير احتياجاتها المنزلية اليومية، إلى جانب التزاماتها الأخرى، ولا سيما تكاليف الأدوية التي تحتاج إليها بصورة مستمرة.
وتجد نفسها أمام خيارين صعبين؛ إما الاستمرار من دون براد، أو محاولة توفير مبلغ للإصلاح على حساب احتياجات أخرى لا تقل أهمية، في ظل غياب القدرة على شراء بديل جديد.
غسالة متوقفة تعيد الغسيل إلى اليدين
تواجه السيدة أم أحمد مشكلة مشابهة بعد تعطل غسالتها المنزلية، ما اضطرها إلى العودة للغسيل اليدوي، بانتظار تمكن زوجها من تأمين المبلغ اللازم لإصلاحها.
وتوضح أن تعطل الغسالة أضاف إلى أعبائها المنزلية جهداً ووقتاً إضافيين، بعدما أصبحت مضطرة إلى إنجاز أعمال الغسيل يدوياً، في ظل عدم القدرة على تحمل كلفة الصيانة فوراً.
وتشير إلى أن إصلاح الجهاز يبقى مرتبطاً بتوافر مبلغ يمكن تخصيصه لهذا الغرض، من دون التأثير في نفقات الأسرة الأساسية.
وتعكس هذه الحالة جانباً من الصعوبات التي تواجه الأسر عند تعطل أجهزتها، إذ لا يقتصر أثر التأجيل على استمرار العطل، بل يمتد إلى زيادة الأعباء اليومية داخل المنزل.
إصلاح الأحذية بدلاً من شراء الجديدة
لا تتوقف المفاضلة بين الإصلاح والاستبدال عند الأجهزة المنزلية، بل تشمل الملابس والأحذية وغيرها من الاحتياجات الشخصية التي أصبحت أسعارها تشكل عبئاً على ميزانيات الأسر.
وتشير أم أحمد، وهي أم لثلاثة أولاد، إلى أن شراء أحذية جديدة لأطفالها جميعاً ليس أمراً سهلاً في ظل ارتفاع الأسعار، ما يدفعها إلى إصلاح الأحذية القديمة كلما كانت قابلة للاستخدام.
وتوضح أن اللجوء إلى إصلاح الأحذية يساعد الأسرة على تأجيل شراء البدائل، والاستفادة من الموجود لأطول مدة ممكنة، ريثما تتوافر الإمكانات المالية اللازمة.
كما تحاول الأسرة توزيع نفقاتها بين الملابس والأحذية وبقية المتطلبات المعيشية، مع إعطاء الأولوية للاحتياجات الأكثر إلحاحاً.
وتظهر هذه التفاصيل كيف امتدت حسابات الغلاء إلى احتياجات يومية بسيطة، بعدما أصبح إصلاح حذاء أو استبداله قراراً يرتبط بقدرة الأسرة على تحمل نفقات إضافية.
متى يكون الإصلاح مجدياً؟
تطرح الحالات السابقة تساؤلات حول الجدوى الاقتصادية لإصلاح الأجهزة القديمة، ولا سيما عندما تحتاج إلى تبديل أجزاء أساسية ترتفع تكلفتها مقارنة بقيمة الجهاز وعمره المتبقي.
فالإصلاح قد يكون خياراً مناسباً عندما تكون الأعطال محدودة، وتسمح الصيانة باستمرار استخدام الجهاز مدة إضافية بكلفة أقل من شراء بديل جديد.
أما عندما تتكرر الأعطال أو تتطلب الصيانة تبديل أجزاء رئيسية، فإن المفاضلة تصبح أكثر تعقيداً، وتحتاج إلى مقارنة كلفة الإصلاح بسعر الجهاز البديل والعمر المتوقع لكل منهما.
غير أن هذه المقارنة لا تكون متاحة دائماً للأسر محدودة الدخل، إذ قد تعرف الأسرة أن استبدال الجهاز أكثر جدوى على المدى الطويل، لكنها لا تمتلك المبلغ اللازم لشرائه.
وفي حالات أخرى، قد تعجز عن تحمل كلفة الإصلاح نفسها، ما يضطرها إلى الاستغناء عن الجهاز مؤقتاً أو الاعتماد على وسائل بديلة.
دخل محدود وخيارات تضيق
تكشف شهادات الأسر أن ارتفاع تكاليف الصيانة لا يمثل عبئاً مالياً منفصلاً عن بقية النفقات، بل يتداخل مع احتياجات الغذاء والدواء والملابس وغيرها من المتطلبات الأساسية.
وتزداد صعوبة الاختيار عندما يكون الجهاز المعطل ضرورياً للحياة اليومية، كما في حالة البراد أو الغسالة، إذ يترتب على تأجيل إصلاحه أعباء إضافية تتعلق بالوقت والجهد وتدبير شؤون المنزل.
كما أن اللجوء إلى إصلاح الأحذية والملابس بدلاً من استبدالها يعكس محاولة الأسر التكيف مع محدودية قدرتها الشرائية، والاستفادة من ممتلكاتها لأطول فترة ممكنة.
وبينما يساعد الإصلاح على تخفيف النفقات في بعض الحالات، فإنه قد يتحول إلى عبء إضافي عندما ترتفع كلفته أو تتكرر الأعطال، ما يضع الأسر أمام قرارات يصعب حسمها.
الإصلاح خيار تفرضه الضرورة
توضح تجارب أم هاني وأم أحمد أن الاحتفاظ بالأجهزة والمستلزمات القديمة لم يعد دائماً مسألة تفضيل شخصي، بل أصبح خياراً تفرضه الظروف المعيشية.
وبين براد تتجاوز كلفة إصلاحه ضعف المعاش التقاعدي، وغسالة تنتظر الصيانة، وأحذية يطول استخدامها بالإصلاح المتكرر، تتجسد صعوبة الموازنة بين الاحتياجات والإمكانات.
ويبقى السؤال بالنسبة إلى هذه الأسر أبعد من المفاضلة بين الإصلاح والاستبدال، ليصل إلى القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية عندما تصبح كلفة المحافظة على الموجود عبئاً يصعب تحمله.