الزواج مؤجّل حتى إشعار الاستقرار.. شباب وفتيات بين ضغوط المعيشة وتغيّر الأولويات

العروبة – خاص
تتعدد أسباب تأخر الزواج لدى الشباب والفتيات اليوم، إذ لم يعد الأمر مرتبطاً بعامل واحد يمكن اختزاله بالظروف المادية أو الاجتماعية، بل بات انعكاساً لمجموعة من المتغيرات التي طالت الأولويات الشخصية، ومعايير اختيار شريك الحياة، والاستعداد النفسي والمادي لتأسيس أسرة.
وتتباين النظرة إلى الزواج بين من يراه خطوة تحتاج إلى تحقيق قدر كافٍ من الاستقرار قبل الإقدام عليها، ومن يرفض اتخاذ القرار تحت ضغط العمر والمجتمع، فيما أضافت تكاليف المعيشة والسكن وتغير طبيعة العلاقات الاجتماعية تحديات جديدة جعلت الارتباط أكثر تعقيداً لدى شريحة من الشباب.
الزواج ليس هدفاً بحد ذاته
توضح خريجة الأدب الإنكليزي رحاب موسى لـ«العروبة» أن تأخر الزواج بالنسبة إليها لم يرتبط بالظروف الاقتصادية أو الاجتماعية، بقدر ارتباطه بطبيعة شخصيتها وترتيب أولوياتها، مشيرة إلى أن الزواج لم يكن يوماً هدفاً أساسياً في حياتها.
وتضيف موسى أن ما وصلت إليه من استقرار اقتصادي واجتماعي منحها شعوراً بالراحة، ولذلك لم تجد نفسها مضطرة إلى الارتباط لمجرد مرور الوقت أو استجابة لما يفرضه المجتمع من توقعات.
وتؤكد أن نظرتها إلى تأخر الزواج أصبحت أكثر تقبلاً مع مرور السنوات، بالتوازي مع تمسكها بمعايير واضحة لاختيار شريك الحياة، بحيث يشكل وجوده إضافة فكرية وثقافية واجتماعية واقتصادية إلى حياتها، لا سبباً في التراجع عن مستوى الاستقرار الذي وصلت إليه.
اتساع الخيارات يؤخر القرار
وتعزو فرانسيسكا طعمة تأخر الزواج إلى عوامل اجتماعية واقتصادية متداخلة، من بينها محدودية فرص التعارف بين أبناء الفئة العمرية نفسها، إلى جانب اتساع فارق العمر في بعض حالات الراغبين بالارتباط.
وترى طعمة في حديثها لـ “العروبة” أن انتشار الإنترنت ووسائل التواصل وسّع دائرة الخيارات المتاحة أمام الشباب والفتيات، لكنه أسهم في الوقت نفسه في تأجيل قرار الارتباط، مع تراجع مفهوم القناعة لدى البعض نتيجة الاعتقاد بوجود فرصة أفضل وخيارات جديدة بصورة دائمة.
وتشير إلى أن المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية أعادت أيضاً تشكيل معايير اختيار الشريك، إذ بات البعض يبحث عن شخص متعلم ومثقف ومستقر مادياً وقادر على تحمل المسؤولية، في وقت قد لا يمتلك فيه الطرف الآخر مقومات الاستقرار ذاتها.
وتؤكد طعمة أن هذه التحولات جعلت تأخر الزواج أكثر قبولاً من الناحية الاجتماعية، معتبرة أن نجاح العلاقة لا تحدده السن أو المظاهر، وإنما الوعي والنضج والتفاهم والاحترام والتوافق الحقيقي بين الطرفين، بعيداً عن السطحية في الاختيار.
تكاليف تبدأ بالمنزل ولا تنتهي بالزفاف
من جهته، يرى الشاب خالد أن الظروف المعيشية الصعبة وغياب الاستقرار المادي يتصدران أسباب تأجيل الزواج، إذ يسعى الشاب، بحسب رأيه، إلى دخول الحياة الزوجية وهو قادر على توفير منزل وحياة كريمة، بدلاً من بدء حياته الجديدة مثقلاً بالديون والالتزامات.
ويشير خالد إلى أن تكاليف الزواج لم تعد محصورة بالمهر وحفل الزفاف، بل تمتد إلى تأمين المسكن وتجهيزه وشراء الأثاث وتغطية النفقات اليومية، في ظل ارتفاع الأسعار، ما يجعل القدرة المالية عاملاً حاسماً في تحديد توقيت الزواج.
ويؤكد أنه يبحث في شريكة حياته عن الوعي والاحترام والمحبة والتفاهم المتبادل، بعيداً عن المظاهر والكماليات، مشدداً على أهمية أن تكون شريكة قادرة على الوقوف إلى جانبه في الظروف الصعبة، بما يسمح لهما ببناء أسرة تقوم على الثقة والمودة.
مسؤوليات الأسرة والسكن المستقل
وتكشف إحدى الأمهات، التي لديها أكثر من ابن وابنة لم يتزوجوا حتى الآن، جانباً آخر من أسباب التأجيل، موضحة أن أبناءها يعطون الأولوية لمسؤولياتهم تجاه الأسرة، إلى جانب سعيهم إلى تأمين مستقبلهم وتحقيق الاستقرار المادي قبل التفكير بالارتباط.
وتشير إلى أن السكن المستقل أصبح بدوره شرطاً أساسياً لدى بعض الفتيات، وهو مطلب يصعب تحقيقه بالنسبة إلى عدد من الشباب، ويضيف عبئاً جديداً إلى التكاليف المرتبطة بتأسيس الأسرة.
وتتداخل بذلك الطموحات الشخصية مع المسؤولية تجاه الوالدين والرغبة في الاستقلال بالسكن، لتجعل قرار الزواج لدى بعض الشباب أكثر تعقيداً، وتحوله من خطوة ترتبط بالرغبة في تأسيس أسرة إلى مشروع يحتاج إلى مجموعة من الشروط والضمانات قبل اتخاذه.

تحوّل في الأولويات وليس تردداً عابراً
ويرى الاستشاري الأسري نبيل غياث الشحادة، أن عزوف بعض الشباب عن الزواج لم يعد مجرد تردد عابر، بل يعكس تحولاً في نظرتهم إلى الحياة وترتيب الأولويات، نتيجة تداخل عوامل اقتصادية واجتماعية ونفسية.
ويوضح الشحادة في حديث لـ “العروبة” أن ارتفاع تكاليف المعيشة والبطالة وأزمة السكن جعلت الزواج يبدو بالنسبة إلى كثير من الشباب مسؤولية مالية كبيرة، الأمر الذي يدفعهم إلى التأجيل خشية عدم القدرة على تلبية متطلبات الحياة الأسرية.
ويلفت إلى وجود عوامل نفسية تؤثر بدورها في قرار الزواج، من أبرزها الخوف من الالتزام وتحمل المسؤولية، وارتفاع سقف التوقعات تجاه الشريك، إضافة إلى تأثير التجارب الزوجية غير الناجحة في المحيط الاجتماعي.
التواصل الافتراضي يغيّر شكل العلاقات
ويشير الشحادة إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في تغيير طبيعة العلاقات، إذ وفرت بدائل افتراضية قد تضعف أحياناً مهارات التواصل الواقعي، بالتوازي مع تراجع دور الأسرة الممتدة في التوجيه والتقريب بين الشباب.
وأكد أن التعامل مع الظاهرة يحتاج إلى حلول متكاملة تبدأ بتأهيل الشباب قبل الزواج، وتعزيز مهارات التواصل وإدارة الخلافات والثقافة الأسرية، ونشر مفهوم الزواج باعتباره شراكة ومساحة للنمو المشترك، وليس عبئاً ومسؤولية مادية فقط.
ودعا الشحادة إلى العمل على تخفيف تكاليف الزواج، وتقديم نماذج أسرية ناجحة، إلى جانب توفير فرص العمل والدعم السكني للشباب، بما يسهم في معالجة جانب من العوامل التي تدفعهم إلى تأجيل الارتباط.
وخلص إلى أن عزوف الشباب عن الزواج ليس أمراً حتمياً، بل تحدٍ يمكن التعامل معه من خلال تعاون الأسرة والمجتمع والمؤسسات، وإعادة تقديم الزواج بوصفه مشروع حياة قائماً على التفاهم والشراكة والاستقرار.
وتكشف اختلافات التجارب والآراء أن تأخر الزواج يرتبط بتحولات أوسع في المجتمع وأولويات الشباب، وبين البحث عن الاستقرار المادي والطموح الشخصي وارتفاع معايير الاختيار وتغير شكل العلاقات، يبقى التفاهم والنضج والاستعداد لتحمل المسؤولية عوامل أساسية في اتخاذ قرار الارتباط وبناء أسرة أكثر توازناً واستدامة.

المزيد...
آخر الأخبار