من الاعتقال والحصار إلى الماجستير بامتياز.. عمرو الصباغ يحوّل سنوات الألم إلى مشروع للابتكار

العروبة – خاص
حوّل المهندس عمرو الصباغ سنوات من الاعتقال والحصار والإصابات وفقدان أفراد من عائلته إلى دافع لمواصلة طريقه في العلم والهندسة، متوجاً مسيرته بالحصول مؤخراً على درجة الماجستير بتقدير امتياز وبمعدل 90%، عن بحث متخصص في تصميم وتنفيذ طائرة بدون طيار متغيرة الحجم.
وعُرف الصباغ خلال سنوات حصار حمص القديمة بلقب «أبو حمزة»، وهو الاسم الذي لازمه طويلاً حتى عرفه كثيرون به، قبل أن يعود اليوم إلى الواجهة من بوابة البحث العلمي والابتكار، برؤية تقوم على توظيف المعرفة والخبرات الهندسية في خدمة سوريا ومستقبلها.
من الاعتقال إلى حصار حمص
واستذكر المهندس عمرو الصباغ، في حديثه لـ«العروبة»، بداية واحدة من أقسى مراحل حياته في 29 تشرين الثاني 2011، عندما اعتقل في سجون نظام الأسد البائد أثناء معارك بابا عمرو، ليعيش تجربة تركت آثاراً عميقة في جسده وذاكرته.
وأوضح أنه اختار بعد خروجه من الاعتقال البقاء مع رفاقه داخل مدينة حمص القديمة، التي عاشت حصاراً قاسياً بين عامي 2012 و2014، وسط القصف والنقص في الاحتياجات الأساسية والخسائر البشرية الكبيرة.
وأشار إلى أن آثار الحرب لم تتوقف عند تجربته الشخصية، إذ فقد شقيقه عام 2012، بعدما استشهد إثر إصابته بالقذائف في أحياء حمص المحاصرة، وكان شقيقه المعروف باسم «أبو العز الحمصي» يعمل إعلامياً في شبكة شام الإخبارية، وأسهم في نقل وتوثيق ما كان يجري داخل المدينة المحاصرة.
وذكر الصباغ أنه فقد أيضاً أربعة من أخواله الذين استشهدوا في سجن صيدنايا، ومن بينهم لورنس النعيمي «أبو عمر»، مسؤول البث المباشر في شبكة شام الإخبارية، والذي ارتبط اسمه بتوثيق أحداث الثورة السورية، قبل أن يستشهد في معركة حي الميدان بدمشق إلى جانب القائد «أبو أسعد النمر».
أربع إصابات ورحلة علاج طويلة
وكشف الصباغ أنه تعرض لأربع إصابات خلال سنوات الحرب، كانت أخطرها في معارك حي القرابيص أثناء حصار حمص، إذ كادت الإصابة أن تؤدي إلى بتر ساقه، لتبدأ بعدها رحلة علاج طويلة ما زالت آثارها الجسدية ترافقه حتى اليوم.
وأكد لـ«العروبة» أن الإصابات والخسارات التي عاشها لم تدفعه إلى الاستسلام، وإنما شكلت دافعاً للبحث عن طريق مختلف يكمل من خلاله حياته، معتبراً أن الإرادة والعلم قادران على مساعدة الإنسان في تحويل الظروف الصعبة إلى فرصة لبناء مستقبل جديد.
من بقايا الحديد بدأت الفكرة
واستذكر الصباغ محطة وصفها بالمؤثرة في مساره العلمي خلال فترة الحصار، عندما تعرف إلى تجربة القائد أبو محمد بحلاق، الذي كان يدير مشغلاً متواضعاً إلى جانب مواقع الرباط، ويعمل مع مجموعة من الثوار على تصنيع المعدات والأدوات التي يحتاجها المقاتلون.
وأوضح أن المشغل استطاع، رغم الإمكانات المحدودة، تحويل بقايا الحديد ومخلفات القذائف والمواد المهملة إلى معدات وأدوات نافعة، وهي تجربة تركت أثراً واضحاً في نظرته إلى الهندسة والابتكار.
وبيّن أن تلك التجربة جعلته يدرك أن الابتكار لا يرتبط دائماً بوفرة الإمكانات، وإنما يبدأ بالفكرة والقدرة على توظيف الموارد المتاحة، وأن دور المهندس يتمثل في تحويل ما يبدو عديم الفائدة إلى حلول قابلة للاستخدام.
وأشار إلى أن اهتمامه بتصميم وتصنيع الطائرات المسيّرة بدأ يتبلور من تلك المرحلة، انطلاقاً من رؤيته لأهمية التكنولوجيا والبحث العلمي ضمن الأدوات التي تحتاجها سوريا في عملية البناء والنهوض.
100 من 100 في مشروع التخرج
وواصل الصباغ مسيرته التعليمية رغم ما مر به من اعتقال وحصار وإصابات وفقد، وتمكن عام 2019 من الحصول على العلامة الكاملة 100/100 مع مرتبة الشرف في مشروع تخرجه، الذي تناول تصميم وتصنيع نماذج متنوعة من الطائرات المسيّرة.
وأوضح أن مشروع التخرج شكل محطة أساسية في تخصصه، قبل أن يتابع دراساته العليا ويحصل على درجة الماجستير بتقدير امتياز وبمعدل 90%، عن رسالة حملت عنوان: «تصميم وتنفيذ طائرة بدون طيار متغيرة الحجم» (Designing and Implementation of Variable-Size Drone).
وأشار إلى أن البحث يقوم على تطوير طائرة مسيّرة متغيرة الحجم، بما يتيح لها التكيف مع متطلبات المهام المختلفة، في ظل التطور المتسارع الذي تشهده تقنيات الطائرات بدون طيار عالمياً.

أكثر من عشر سنوات بين التصميم والتنفيذ
وكشف الصباغ أن تجربته في المجال الهندسي التطبيقي تمتد لأكثر من عشر سنوات، عمل خلالها على تصميم وتنفيذ عدد من النماذج الهندسية، بما جعل اهتمامه بالمجال يتجاوز حدود الدراسة الأكاديمية إلى التجربة والاختبار العملي.
وأوضح لـ«العروبة» أنه صمم ونفذ نماذج خضعت للاختبار والتقييم ضمن جامعة حمص، شملت طائرات متعددة المراوح وأخرى ثابتة الجناح، ومنصات وقواعد إطلاق، إضافة إلى منصة متخصصة لتدريب وتجريب الطائرات المسيّرة، إلى جانب تصميم عربات مصفحة.
وأشار إلى مشاركته في عدد من المعارض والمسابقات الهندسية وحصوله على جوائز وشهادات تقدير، فضلاً عن نشر أبحاث علمية في مجال اختصاصه، مؤكداً أن هذه التجارب أسهمت في ربط المعرفة الأكاديمية بالتطبيق الهندسي.
استخدامات مدنية واسعة للمسيّرات
ولفت الصباغ إلى أن التطور العالمي في تقنيات الطائرات المسيّرة أتاح استخدامها في مجالات متعددة، من بينها البحث والإنقاذ ومكافحة الحرائق والزراعة الذكية والمسح الهندسي ومراقبة البنية التحتية وإدارة الكوارث والخدمات اللوجستية.
وأكد أن امتلاك خبرات وطنية في هذا المجال يمكن أن يدعم البحث العلمي والصناعة التقنية، مشدداً على ضرورة توفير بيئة مناسبة للمهندسين والباحثين الشباب، وربط الجامعات بمراكز البحث والتطوير والقطاع الصناعي.
الاستثمار في العقول لإعادة بناء سوريا
وشدد الصباغ على أن إعادة بناء سوريا لا تقتصر على إعمار المنشآت والبنية التحتية، بل تتطلب استثماراً حقيقياً في العقول والكفاءات الوطنية، والاستفادة من الخبرات العلمية والهندسية في مشاريع تخدم التنمية.
وأشار إلى أن الاستثمار في الكفاءات السورية يجب ألا يتوقف عند تكريم أصحاب الإنجازات، وإنما ينبغي أن يتحول إلى مشاريع وطنية مستدامة، من خلال إنشاء مراكز متخصصة للبحث والتطوير والاستفادة من خبرات المهندسين السوريين.
وأضاف أن هذه المراكز يمكن أن تسهم في تدريب كوادر جديدة وربط البحث العلمي بالاحتياجات الفعلية، وتحويل الأبحاث والمشاريع الجامعية إلى تطبيقات ومنتجات قابلة للاستفادة منها في عملية التنمية.
من وجع الحرب إلى أمل المستقبل
وأكد أن بناء المستقبل يحتاج إلى عقول تؤمن بقدرتها على التغيير، فيما تختصر مسيرته انتقالاً طويلاً من الاعتقال والحصار والإصابات والفقد إلى مقاعد الدراسة والبحث والهندسة، محولاً جانباً من ذاكرة الألم إلى دافع للعلم والابتكار.
واختتم الصباغ حديثه لـ«العروبة» بالتأكيد أن ما عاشه لا يمثل بالنسبة إليه تجربة شخصية فحسب، وإنما يعكس تجربة جيل من السوريين الذين حاولوا، رغم سنوات الحرب والظروف القاسية، الاستمرار في طريق العلم والعمل.
هكذا يطوي عمرو الصباغ صفحاتٍ قاسية من الاعتقال والحصار والإصابات والفقد، من دون أن يطوي معها حلمه بالعلم والعمل، ليحوّل ما عاشه من ألم إلى دافع للبحث والابتكار، وتبقى تجربته شاهداً على قدرة الإنسان على النهوض من بين أقسى الظروف، وعلى أن إعادة بناء سوريا تبدأ أيضاً من عقول أبنائها، ومن كل فكرة تتحول إلى معرفة، وكل معرفة تجد طريقها إلى العمل وصناعة المستقبل.

المزيد...
آخر الأخبار
جامعة حمص تكفّ يد عاملين وتحيلهما إلى المحكمة المسلكية على خلفية الانتساب إلى ميليشيات النظام البائد النشرة الرياضية | منتخب حمص وصيفاً للجمهورية في القوة البدنية واستحقاقات سورية مرتقبة اقتصاد العروبة | الدولار عند 122 ليرة والذهب مستقر.. 450 مليون دولار لمشروعات الطرق السيارات الكهربائية في حمص.. مزايا بيئية واقتصادية وتحديات في الشحن والصيانة الخارجية السورية تدين الغارات الأردنية على درعا وتطالب بلجنة أمنية مشتركة لمنع تكرارها «أريزونا PVC» في حسياء.. مشروع صناعي لدعم إعادة الإعمار وتشغيل الكوادر السورية من وجع الفقد إلى المطالبة بالعدالة.. والد «حمودي» يوجّه رسالة إلى السوريين ورئيس الجمهورية معالم من حمص: السيباطات في حمص.. ممرات حجرية تحفظ ذاكرة المدينة وتروي تاريخ عمارتها 7 شهداء بينهم 3 أطفال بغارات أردنية على الجنوب السوري.. دمشق تنفي التنسيق وتغلق منفذ نصيب النشرة الرياضية: نهائي سوري في الكيك بوكسينغ.. حمص الفداء يواجه أهلي حلب وريال مدريد يحسم الكلاسيكو