الثروة السمكية في حمص.. مسطحات مائية واعدة واستثمارات تصطدم بتحديات الإنتاج والتلوث

العروبة – خاص
تمتلك محافظة حمص مقومات مائية متنوعة تتيح توسيع الاستثمار في قطاع الثروة السمكية، وتحويله إلى مورد اقتصادي وغذائي أكثر فاعلية، مستفيدة من السدود والمسطحات المائية وإمكانات الاستزراع السمكي، في مقابل تحديات فنية وبيئية وتقنية وبشرية تستدعي حلولاً علمية متكاملة.
مقومات مائية تفتح أبواب الاستثمار
أكد مدير فرع الهيئة العامة للثروة السمكية في حمص عمار الحسن، في تصريح لـ«العروبة»، أن المحافظة تتميز بتنوع مصادرها المائية القابلة للاستثمار، وفي مقدمتها بحيرة قطينة، التي تعد أكبر وأهم مسطح مائي في المحافظة، إلى جانب سد الرستن الذي يشكل موقعاً للصيد المنظم، ويتيح إمكانية تربية الأسماك بالأقفاص العائمة.
وأضاف أن سدود تلدو والزعفرانة والسنديانة والقريتين تشكل مصادر مهمة للثروة السمكية، ويتم استثمارها عبر المزايدات العلنية، إلى جانب إمكانية الاستفادة من مجرى نهر العاصي في المزارع التي تعتمد نظام المياه الجارية أو الأقفاص العائمة، فضلاً عن آبار المياه الجوفية قليلة الملوحة والمزارع السمكية المرخصة.
وأوضح أن الفرص الاستثمارية المتاحة تشمل استئجار حقوق الصيد في السدود لفترات محددة، وإنشاء الأقفاص العائمة لرفع الإنتاجية في المسطحات المائية الكبيرة، إضافة إلى تربية أسماك الزينة بوصفها مجالاً استثمارياً واعداً.
تحديات تعيق تطوير الإنتاج
وأشار الحسن إلى أن القطاع لا يزال يعاني ضعف الخبرات والاعتماد على الأساليب التقليدية، إلى جانب نقص الكوادر الفنية المتخصصة في إدارة المزارع الحديثة، وعدم توفر سلالات محسنة ذات إنتاجية مرتفعة تتلاءم مع الظروف البيئية المحلية.
ولفت إلى الحاجة لتطوير البنية التحتية وإنشاء مختبرات تخصصية وشبكات لمراقبة جودة المياه، وتأمين أعلاف متوازنة مصنعة محلياً، فضلاً عن إدخال التقنيات الحديثة إلى مراحل ما بعد الحصاد، ولا سيما عمليات التبريد والتخزين.
وبيّن أن ضعف الرقابة وعدم تفعيل القوانين والتشريعات المتعلقة بالحد من التلوث والصيد الجائر، إضافة إلى غياب قواعد بيانات دقيقة حول المخزون السمكي والتغيرات المناخية، تشكل عوامل إضافية تحد من تطوير القطاع والاستفادة من إمكاناته.
التلوث يضغط على الموارد السمكية
وأوضح الحسن أن التلوث الصناعي والصحي والزراعي يأتي في مقدمة المخاطر التي تواجه الموارد السمكية، نتيجة طرح بعض المخلفات الصناعية ومياه الصرف الصحي والمياه العادمة غير المعالجة، وما يرافق ذلك من ارتفاع نسب الأمونيا وانتشار الملوثات.
وأشار إلى تأثير المبيدات والأسمدة الكيميائية المستخدمة في الأراضي القريبة من المسطحات المائية، وما يمكن أن تسببه من ضغوط إضافية على جودة المياه والبيئة المناسبة لنمو الأسماك.
واقترح لمعالجة هذه التحديات تفعيل محطات معالجة مياه الصرف الصحي قبل تصريفها، وتشديد العقوبات على المنشآت المخالفة بيئياً، وإنشاء أحزمة نباتية حول المسطحات المائية للحد من وصول الملوثات الزراعية.
ودعا إلى تكثيف الرقابة الدورية على جودة المياه وتعزيز التوعية البيئية، بما يساعد على حماية الموارد المائية والمحافظة على استمرارية الإنتاج السمكي.
التغير المناخي يفرض أساليب تربية مختلفة
وأوضح الحسن أن التغير المناخي ينعكس على الإنتاج السمكي من خلال التذبذب الحراري وانخفاض مستويات الأكسجين المذاب في المياه، بالتوازي مع شح المياه وتقلص المساحات المتاحة للاستزراع.
وأشار إلى إمكانية التكيف مع هذه المتغيرات عبر اختيار سلالات أكثر مقاومة للحرارة ونقص الأكسجين، واعتماد أنظمة الاستزراع التكاملي، مثل نظام السمك–الخضار، بما يسهم في ترشيد استهلاك المياه.
ودعا إلى استخدام المظلات والمهويات الميكانيكية لضبط درجات حرارة الأحواض ومستويات الأكسجين، ووضع خطط طوارئ تضمن توفير احتياجات الثروة السمكية من المياه خلال الأزمات.

الصيد الجائر يهدد المخزون والتنوع الحيوي
وأكد الحسن أن الصيد الجائر يشكل أحد أبرز التحديات التي تهدد المخزون السمكي، ولا سيما استخدام الشباك الضيقة التي تؤدي إلى اصطياد الأسماك الصغيرة قبل بلوغها مرحلة التكاثر، إضافة إلى استخدام وسائل محرمة كالكهرباء والمتفجرات.
ودعا إلى تشديد الرقابة على المسطحات المائية والأسواق، وتنظيم عمليات الصيد ومنعها خلال فترات التكاثر، وحظر الوسائل المدمرة للثروة السمكية، وإحداث مناطق محمية لحماية المخزون والتنوع الحيوي.
وشدد على أهمية تسيير دوريات مشتركة بين الجهات المعنية، بالتوازي مع تكثيف برامج الإرشاد والتوعية بين الصيادين، بما يضمن استثمار الموارد السمكية بطريقة أكثر استدامة.
المفرخة والأقفاص العائمة لزيادة الإنتاج
وأشار الحسن إلى أهمية إنشاء مفرخة سمكية محلية متطورة لتأمين الزريعة واليرقات بأسعار مناسبة، وإنتاج سلالات محسنة مثل سمك المشط، بما يرفع القدرة الإنتاجية ويساعد في حماية الأنواع المحلية من الانقراض، ومنها سمك البني في نهر العاصي.
وأكد ضرورة دعم المزارع الخاصة في ريف حمص، وضمان استمرارية الإنتاج في بحيرة قطينة، وربط تطوير هذا النشاط بتوفير فرص العمل وتأهيل وتدريب الكوادر المحلية.
وأوضح أن الأقفاص العائمة تتيح استثمار المسطحات المائية العميقة دون الحاجة إلى أراض إضافية، كما توفر كثافة إنتاجية مرتفعة وسهولة في عمليات الحصاد، مع انخفاض نسبي في التكاليف التأسيسية.
وأشار إلى أن هذه الميزات تجعل الأقفاص العائمة من المشاريع الواعدة لدعم التنمية الريفية وتوفير فرص عمل في القرى المحيطة بالمسطحات المائية، إلا أنها تواجه في الوقت نفسه تحديات أمنية وبيئية تتطلب معالجتها.
وبيّن أن أبرز هذه التحديات تتمثل في احتمالات سرقة أو تخريب الشباك والحاجة إلى الحراسة، إضافة إلى مخاطر التلوث المفاجئ للمياه، ما يستدعي اعتماد أنظمة للإنذار والمراقبة المبكرة لجودة المياه.
سلالات محسنة لرفع الجدوى الاقتصادية
وأكد الحسن أن زيادة الإنتاجية تتطلب تطوير السلالات بالاعتماد على التحسين الوراثي، واختيار أنواع مثل المشط والكارب، لما تتميز به من سرعة في النمو ومقاومة للأمراض وقدرة على التكيف مع التغيرات الحرارية.
وأضاف أن رفع الجدوى الاقتصادية للمزارع يمكن أن يتحقق عبر تحسين معامل التحويل الغذائي وزيادة نسبة اللحم الصافي، إلى جانب الاستفادة من تقنيات إنتاج الأسماك وحيدة الجنس، للحد من التكاثر العشوائي وتوجيه الطاقة نحو النمو.
البحث العلمي وتأهيل الكوادر
وشدد الحسن على ضرورة إنشاء محطة بحثية في بحيرة قطينة تتولى دراسة جودة المياه والأمراض السمكية، وتأمين مختبر متنقل لإجراء الفحوص الميدانية، مع الاستفادة من الخبرات الدولية في تصميم المزارع الحديثة وتدريب الكوادر.
ودعا إلى إلزام المشاريع الاستثمارية بإجراء دراسة للأثر البيئي قبل تنفيذها، وتطوير مراكز الأبحاث، ودعم معامل الأعلاف لإنتاج أعلاف محلية بمواصفات جيدة، بما يسهم في خفض تكاليف الإنتاج.
وأكد أن العنصر البشري يمثل ركيزة أساسية لنجاح الاستثمارات السمكية، داعياً إلى تنظيم دورات تدريبية مكثفة تجمع بين الجانبين النظري والتطبيقي، وتركز على أساسيات التفريخ الصناعي وإدارة المزارع وتقنيات التربية الحديثة.
رؤية متكاملة لقطاع مستدام
وتتطلب الاستفادة من الإمكانات المتاحة للثروة السمكية في حمص الانتقال من الأساليب التقليدية إلى إدارة علمية متكاملة، تجمع بين حماية الموارد المائية وتشجيع الاستثمار وتطوير السلالات، وتأمين الأعلاف والتقنيات الحديثة، وتعزيز الرقابة والبحث العلمي.
ويسهم الاستثمار الأمثل في هذا القطاع، إلى جانب زيادة الإنتاج، في تعزيز الأمن الغذائي وتنشيط الاقتصاد الريفي وخلق فرص عمل جديدة، بما يدعم بناء قطاع سمكي أكثر إنتاجية وكفاءة واستدامة، ويحقق عائداً اقتصادياً واجتماعياً طويل الأمد لمحافظة حمص.

المزيد...
آخر الأخبار