العروبة – خاص
تبرز في ذاكرة حمص القديمة حكاية «التكية الكوجكية» بوصفها واحداً من المعالم التي تجاوز دورها حدود البناء، إذ شكلت على مدى مراحل من تاريخها فضاءً للعبادة والعلم والتكافل الاجتماعي، قبل أن تختفي من المشهد العمراني بهدمها عام 1957، وتبقى تفاصيلها محفوظة في التوثيق والذاكرة التاريخية للمدينة.
وأوضحت الباحثة التاريخية ورئيسة الجمعية العلمية التاريخية في حمص الدكتورة فيروز اليوسف، في تصريح لـ«العروبة»، أن التكية أُنشئت عام 1437م الموافق 841هـ كتربة بناها الأمير أحمد بن إسماعيل الكوجكي، أحد أمراء العصر المملوكي، فيما سبقها إنشاء سبيل للماء عام 1427م.
وأشارت اليوسف إلى أن التكية عُرفت مع بداية العهد العثماني باسم «الزاوية الرستمية» نسبة إلى رستم باشا، ثم ارتبطت بالطريقة المولوية، وأصبحت مكاناً لإقامة الأذكار والأوراد والمدائح النبوية و«السماح» الصوفي.
مأوى ومركز للتكافل
وأكدت اليوسف أن دور التكية لم يقتصر على العبادة، بل امتد إلى الجانب الاجتماعي، إذ استقبلت الفقراء والمحتاجين والعجزة والأرامل وعابري السبيل والغرباء وطلاب العلم، وقدمت لهم المأوى والطعام، كما شكلت محطة لاستضافة الحجاج والوافدين إلى حمص.
وأضافت أن التكية احتضنت مجالس العلم واللقاءات الفكرية والأدبية، وأسهمت في تبادل المعارف والقصائد الدينية والروحية، كما ضمت مدفناً لشيوخ وأساتذة الطريقة.
عمارة مملوكية بملامح حمصية
وبيّنت اليوسف أن التكية كانت تقع في منطقة سوق الناعورة خارج أسوار مدينة حمص القديمة، وتميزت بباحة واسعة تتوسطها بحرة مياه، كانت تتغذى من مياه نهر العاصي عبر ناعورة حمص الكبيرة.
ولفتت إلى أن التكية ضمت خلاوي وغرفاً مخصصة للدراويش والمسافرين، إلى جانب مستودعات للمؤن وقاعة واسعة للذكر والسماع، فيما شُيدت واجهاتها بالحجر البازلتي الأسود والحجر الكلسي الأبيض، في تناغم يعكس أسلوب الأبلق المملوكي.
أثر غاب وبقي توثيقه
وأشارت اليوسف إلى أن التكية هُدمت عام 1957، ولم يبقَ منها سوى كتاباتها ولوحتها التأسيسية، المعروضة في متحف الخط العربي بدمشق ضمن المدرسة الجقمقية.
وأكدت أن فقدان هذا المعلم يذكّر بأهمية حماية ما تبقى من آثار حمص ووثائقها ودراساتها ومخططاتها، مشددة على أن الآثار ليست حجارة فحسب، بل سجل حي يحفظ تاريخ المدينة وهويتها.
واستذكرت اليوسف ما عُرفت به حمص عبر تاريخها من انتشار الجمعيات الخيرية والتكيات، وما أدته من دور في ترسيخ قيم الكرم والجود والتكافل الاجتماعي التي توارثها أبناء المدينة عن أجدادهم، مشيرة إلى ما عُرفت به المدينة من رعاية المحتاجين عبر هذه المؤسسات.
وبقيت «التكية الكوجكية»، رغم هدم بنائها وغيابه عن المكان منذ عقود، حاضرة في ذاكرة حمص وتاريخها، بما بقي عنها من توثيق وشواهد تروي جانباً من الحياة الدينية والاجتماعية والثقافية للمدينة.
وارتبطت التكية بالطريقة المولوية، وأدت أدواراً دينية واجتماعية وثقافية، إذ احتضنت الأذكار والأوراد والمدائح النبوية و«السماح» الصوفي، كما استقبلت الفقراء والمحتاجين وعابري السبيل وطلاب العلم والحجاج والوافدين إلى حمص.