العصرونية في حمص.. نصف قرن من الحرفة وتحديات تهدد استمرارها في الأسواق القديمة

العروبة – خاص
تواجه مهنة العصرونية في أسواق حمص القديمة تحديات تهدد استمرارها، بعدما أسهم تراجع القدرة الشرائية للمواطنين وارتفاع إيجارات المحال التجارية في انخفاض حركة البيع وابتعاد عدد من العاملين عنها.

ورغم ارتباط هذه المهنة باحتياجات الأسر واستمرارها لعقود، فإن واقعها اليوم يعكس الصعوبات التي تواجه الحرف التقليدية في الحفاظ على حضورها الاقتصادي، وسط تساؤلات عن مستقبلها وإمكانية انتقال خبراتها إلى الأجيال الجديدة.

ورغم التحولات التي شهدتها الأسواق وتغير أنماط الاستهلاك وتنوع المنتجات الحديثة، يواصل بعض أصحاب المهنة عملهم مستندين إلى خبرات اكتسبوها على مدى عقود، في محاولة للحفاظ على مصدر رزقهم وحرفة ارتبطت بتاريخ الأسواق الحمصية.

ومن بين هؤلاء شيخ كار العصرونية عبد الباري البني، الذي بدأ العمل عام 1975، وعاصر مراحل مختلفة من النشاط التجاري، ليقدم في حديثه لـ«العروبة» صورة عن واقع المهنة بين ذكريات الأسواق القديمة والصعوبات الاقتصادية التي تواجه العاملين فيها اليوم.

من بسطة صغيرة إلى نصف قرن من العمل

استعاد البني بداياته في مهنة العصرونية، موضحاً أنه دخل هذا المجال عام 1975، وكانت انطلاقته من بسطة صغيرة، قبل أن تتطور تجربته المهنية ويواصل العمل على مدى نحو خمسين عاماً.

وأشار إلى أن العمل في الأسواق قديماً كان يبدأ منذ ساعات الصباح الباكر، ويستمر حتى ساعات متأخرة من الليل، ولا سيما خلال مواسم الأعياد التي كانت تشهد حركة تجارية نشطة وإقبالاً متزايداً من الزبائن.

وأوضح أن أصحاب المهن كانوا يستفيدون من نشاط الأسواق في تلك المواسم، ويواصلون عملهم لساعات طويلة لتلبية احتياجات المواطنين، بما يوفر لهم مورداً يساعدهم على تأمين متطلبات معيشتهم والاستمرار في أعمالهم.

وتعكس هذه الذكريات طبيعة الأسواق الشعبية التي اعتمدت على العلاقة المباشرة بين الحرفي والزبون، وعلى الخبرة المتراكمة في معرفة احتياجات الناس وتوفير المنتجات المناسبة لهم.

ومع مرور السنوات، تبدلت ظروف العمل وتراجعت حركة الأسواق مقارنة بالماضي، لتصبح القدرة على الاستمرار مرتبطة بعوامل اقتصادية تتجاوز خبرة الحرفي وإتقانه لمهنته.

علاقات الملابس الخشبية في مقدمة المنتجات

تحدث البني عن طبيعة المنتجات التي ارتبطت بمهنة العصرونية، موضحاً أن صناعة علاقات الملابس الخشبية شكلت اختصاصه الأساسي على مدى عقود.

وأشار إلى أن عمله شمل أيضاً علاقات الحائط وبعض المستلزمات المنزلية ومناضد السفرة، وهي منتجات ارتبطت باحتياجات الأسر وتجهيز المنازل.

وبيّن أن الخشب كان المادة الأساسية المستخدمة في بدايات العمل، قبل أن تتغير طبيعة المنتجات والخامات مع مرور الزمن، تبعاً للتحولات التي شهدتها الأسواق وتنوع احتياجات المستهلكين.

وتعكس هذه التغيرات قدرة أصحاب المهن التقليدية على التكيف مع المنتجات الجديدة، لكنها تضعهم في الوقت نفسه أمام منافسة متزايدة مع السلع الحديثة التي تتوافر بخامات وأشكال وأسعار مختلفة.

وفي ظل هذا التنوع، لم يعد استمرار الحرفة مرتبطاً بجودة المنتج والخبرة في صناعته وحدهما، بل أصبح يتطلب القدرة على مواكبة متطلبات السوق وتحقيق مبيعات تغطي تكاليف العمل.

ضعف القدرة الشرائية ينعكس على المبيعات

أكد البني أن تراجع القدرة الشرائية للمواطنين يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه مهنة العصرونية في الوقت الحالي، نتيجة الظروف المعيشية الصعبة وتزايد الأعباء المالية على الأسر.

وأوضح أن المواطنين باتوا يركزون إنفاقهم على الاحتياجات الأساسية، ما أدى إلى انخفاض الإقبال على شراء العديد من المنتجات المنزلية التي توفرها المهنة.

وأشار إلى أن حركة البيع لم تعد كما كانت في السنوات السابقة، الأمر الذي انعكس على دخل أصحاب المهنة وقدرتهم على الاستمرار في العمل.

ويشكل ضعف الطلب تحدياً مباشراً للحرفيين، ولا سيما أن استمرار النشاط المهني يحتاج إلى حركة بيع منتظمة توفر مردوداً يساعد على تغطية النفقات وتأمين متطلبات المعيشة.

ومع محدودية الإقبال، تصبح الخبرة الطويلة غير كافية لضمان استمرار العمل، في ظل غياب الظروف الاقتصادية التي تساعد على تنشيط الأسواق وتحسين القدرة الشرائية للمستهلكين.

ارتفاع الإيجارات يضاعف الأعباء

لفت البني إلى أن ارتفاع إيجارات المحال التجارية في الأسواق الرئيسية أضاف أعباء مالية جديدة على أصحاب المهن الصغيرة، بالتزامن مع تراجع حركة البيع والشراء.

وأوضح أن الإيجارات تشكل التزاماً ثابتاً يتعين على أصحاب المحال تسديده، بغض النظر عن حجم المبيعات، إلى جانب النفقات الأخرى المرتبطة باستمرار العمل.

وتؤدي هذه المعادلة إلى زيادة الضغوط المالية على الحرفيين، إذ تتراجع الإيرادات في وقت تستمر فيه المصروفات، ما يجعل تحقيق دخل كافٍ أكثر صعوبة.

وأشار البني إلى أن ارتفاع تكاليف العمل وضعف الإقبال أسهما في ابتعاد كثيرين عن المهنة، بعدما أصبحت الأعباء المالية تفوق قدرتهم على التحمل.

ويثير تراجع عدد العاملين في الحرفة تساؤلات بشأن مستقبلها، ولا سيما أن استمرار المهن التقليدية يعتمد على وجود أصحاب خبرة قادرين على ممارستها ونقل معارفها إلى الأجيال الجديدة.

منافسة المنتجات الحديثة وتغير الأسواق

شهدت الأسواق خلال العقود الماضية تغيرات في طبيعة المنتجات المعروضة والخامات المستخدمة، إلى جانب تطور أساليب الإنتاج وتنوع السلع المنزلية.

وتضع هذه التحولات مهنة العصرونية أمام تحديات تتعلق بالمنافسة والقدرة على تلبية احتياجات المستهلكين، في ظل وجود بدائل متعددة للمنتجات التقليدية.

ورغم أن تنوع المنتجات يتيح خيارات أوسع أمام المواطنين، فإنه يزيد الحاجة إلى تطوير الحرف التقليدية وأساليب تسويقها، بما يساعد أصحابها على المحافظة على حضورهم في الأسواق.

وتبرز هنا أهمية الجمع بين الخبرة المتوارثة والقدرة على مواكبة التغيرات، من خلال تقديم منتجات تلبي الاحتياجات الحالية وتحافظ في الوقت نفسه على الخصائص التي تميز المهنة.

غير أن تطوير المنتجات وحده لا يكفي لمعالجة الصعوبات، ما لم يترافق مع تحسن حركة الأسواق وتوافر ظروف اقتصادية تساعد الحرفيين على تغطية تكاليف عملهم.

العصرونية جزء من هوية الأسواق الحمصية

لا تقتصر أهمية مهنة العصرونية على توفير المنتجات المنزلية أو تأمين مصدر رزق للعاملين فيها، بل تمتد إلى دورها في الحفاظ على جانب من الذاكرة الاقتصادية والاجتماعية لمدينة حمص.

فالمهن التقليدية التي نشأت في الأسواق القديمة وتوارثتها الأجيال تمثل جزءاً من هوية هذه الأسواق، بما تحمله من خبرات وعلاقات اجتماعية وأساليب عمل ارتبطت بحياة السكان.

كما تعكس تجربة الحرفيين الذين أمضوا عقوداً في ممارسة أعمالهم أهمية المعرفة المهنية المتراكمة، التي لا تقتصر على استخدام الأدوات والخامات، وإنما تشمل فهم احتياجات الزبائن وإتقان تفاصيل المنتجات.

ويشكل استمرار هذه المهن وسيلة للحفاظ على الخبرات المتوارثة، وإبقاء الأسواق القديمة أماكن حية للعمل والإنتاج، لا مجرد مواقع تستحضر ماضي المدينة.

الحفاظ على الحرفة يتطلب دعم مقومات استمرارها

تطرح التحديات التي تواجه العصرونية ضرورة الاهتمام بالظروف الاقتصادية لأصحاب المهن التقليدية، ولا سيما ما يتعلق بتكاليف العمل وضعف الطلب وصعوبة تحقيق مردود يضمن الاستمرار.

ويبرز في هذا السياق دور المبادرات التي يمكن أن تساعد على التعريف بمنتجات الحرفيين وتوسيع فرص تسويقها، إلى جانب تشجيع الإنتاج المحلي وتعزيز الإقبال على المنتجات التي توفرها المهن القديمة.

كما تكتسب مسألة نقل الخبرات إلى الأجيال الشابة أهمية خاصة، إذ يرتبط مستقبل الحرف التقليدية بوجود من يرغب في تعلمها وممارستها، وهو أمر يتطلب أن توفر هذه المهن فرصاً حقيقية للعمل وتأمين الدخل.

ومن هنا، فإن الحفاظ على العصرونية لا يتحقق بالاكتفاء بتوثيق تاريخها أو استذكار أيام ازدهارها، بل يحتاج إلى مقومات اقتصادية تساعد أصحابها على الاستمرار والتكيف مع متطلبات السوق.

نصف قرن من الخبرة أمام تحديات الحاضر

تختصر تجربة عبد الباري البني، الممتدة منذ عام 1975، جانباً من التحولات التي شهدتها أسواق حمص، من مرحلة كانت فيها حركة البيع نشطة والعمل يمتد لساعات طويلة، إلى واقع تتراجع فيه المبيعات وترتفع تكاليف ممارسة المهنة.

وتكشف شهادته أن التحديات التي تواجه العصرونية لا ترتبط بعامل واحد، بل تتداخل فيها الظروف المعيشية وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع إيجارات المحال وتغير طبيعة الأسواق.

كما تعكس الصعوبات التي يواجهها أصحاب المهنة واقعاً أوسع تعيشه بعض الحرف التقليدية، بعدما أصبحت الجدوى الاقتصادية عاملاً حاسماً في قرار الاستمرار أو الابتعاد عن العمل.

وبين ذاكرة الأسواق ومتطلبات الحاضر، تبقى العصرونية إحدى المهن التي تحمل جانباً من تاريخ حمص الاقتصادي والاجتماعي، فيما يظل مستقبلها مرتبطاً بقدرة أصحابها على مواصلة العمل وتوافر الظروف التي تساعدهم على ذلك.

ولايعني الحفاظ على هذه الحرفة صون مهنة قديمة فحسب، بل حماية خبرات تراكمت على مدى أجيال، وإبقاء جانب من هوية الأسواق الحمصية حاضراً في حياة المدينة، بدلاً من أن يتحول إلى مجرد ذكرى من الماضي.

المزيد...
آخر الأخبار
معالم من حمص: من باب هود إلى سوق الحشيش.. سيباط زين العابدين شاهد على عمارة حمص القديمة عقيل حسين يحذر من تأجيج الانقسامات عبر الإعلام ويدعو إلى تعزيز التماسك المجتمعي سوريا ومجموعة البنك الدولي تتفقان على إنشاء صندوق ائتماني لدعم التعافي وإعادة الإعمار النشرة الرياضية: حمص تتوج بأولمبياد الشطرنج والكرامة يحقق فوزين في منافسات الشباب سوريا تجدد رفض الانتهاكات الإسرائيلية في القنيطرة ودرعا وتؤكد تمسكها بسيادتها اقتصاد العروبة: أسعار الصرف والذهب اليوم.. مشاريع صناعية في حسياء ومباحثات للتمويل الدولي فرحة شعبية باعتقال معراج أورال واستعادة لذكريات المجازر.. العدالة مطلب أهالي بانياس الرئيس الشرع يصدر مرسومين بتعيين رئيس تنفيذي للشركة السورية للبترول ومستشار اقتصادي لرئاسة الجمهورية معمل غاز إيبلا في الفرقلس.. كوادر مؤهلة وأنظمة مراقبة لضمان كفاءة التشغيل وزارة العدل توضح أسباب إخلاء سبيل أحمد معروف وتؤكد استمرار توقيف والده