الساروت ووصية الثورة.. حكاية وفاء لا تحتمل النسيان

مقال: محمد العلي

 

“الثورة تمجد شهداءها، وتمجد المعتقلين والمغتربين والمهجرين، والأسرى والأسيرات هم أهم شيء عنا، وهذولا لازم نكفي الطريق مشانهم” بهذه الكلمات عبر الشهيد عبد الباسط الساروت عن جوهر القضية التي حملها السوريون منذ انطلاق ثورتهم، وذكرهم بأن الوفاء لا يكون للأسماء وحدها، بل لكل من دفع من عمره وروحه وبيته ثمن الحرية والكرامة كلمات قالها الساروت، لكنها بقيت شاهدة على معنى لا يتغير مهما تبدلت الظروف وتغيرت المراحل.

 

من هنا، لا يمكن التعامل مع الإساءة التي طالت اسم الساروت وأثارت ردود فعل غاضبة عقب مباراة في صالة الفيحاء بدمشق، على أنها مجرد خلاف عابر في مناسبة رياضية فالساروت الذي عرفته الملاعب حارسا للمرمى، قبل أن يصبح أحد الأصوات البارزة في الثورة السورية، تجاوز حضوره حدود الرياضة والإنشاد، وأصبح اسمه جزءا من ذاكرة السوريين، ومرتبطا بحكاية شعب خرج مطالبا بالحرية والكرامة، ودفع ثمنا باهظا لا تزال آثاره حاضرة في حياة ملايين الناس.

 

ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده في كلمات الساروت أنه لم يحصر وصيته باسمه، ولم يجعل من تكريمه غاية بحد ذاتها، بل وضع الشهداء والمعتقلين والمهجرين والأسرى والأسيرات في قلب حديثه وكأنه أراد أن يقول إن القضية أكبر من الأشخاص، وإن الذاكرة التي لا تحفظ أصحاب التضحيات تتحول مع الوقت إلى حكايات تروى ثم تنسى، مهما بقيت الأسماء حاضرة في الشعارات والمناسبات.

 

شهداؤنا ليسوا صورا ترفع في المناسبات، ولا أسماء نستحضرها حين تشتد الخصومات ثم ننساها حين تهدأ وراء كل شهيد عائلة فقدت سندها، ووراء كل معتقل سنوات من الانتظار والقلق، ووراء كل مهجر بيت تركه على أمل العودة، ووراء كل أسير حكاية لم تنته بعد فكيف نتحدث عن الوفاء للثورة إذا كانت هذه الحكايات مهمشة، وإذا اختزلنا تضحيات أصحابها في سجال عابر لا يترك وراءه سوى مزيد من الانقسام والجراح؟

 

رحل الساروت، لكن صوته ما زال يذكرنا بمرحلة لم تكن فيها الحرية مطلبا سهلا، ولا الكرامة كلمة تقال من دون ثمن لم يترك وراءه أغان وأناشيد فقط، بل ترك وصية تتجاوز شخصه إلى كل من حملوا أحلام السوريين، ثم غابوا أو طال انتظارهم والوفاء له لا يكون بتحويل اسمه إلى شعار في كل خصومة، بل بالحفاظ على المعنى الذي عاش من أجله، وبأن تبقى قضايا الشهداء والمعتقلين والمهجرين حاضرة في وجدان سوريا الجديدة، لا مجرد عناوين نستعيدها عندما تفرض الأحداث ذلك.

 

الشهداء لا يستحقون أن نتذكر أسماءهم حين يتعرضون للإساءة فحسب، بل أن نبقى أوفياء لما ضحوا من أجله، وأن نحفظ تضحياتهم من النسيان والاستغلال، فالساروت لم يوصنا بتمجيده وحده، بل بألا ننسى الذين مضى من أجلهم، وأن نكمل الطريق من أجلهم.

 

وحين تهان ذاكرة الشهداء، لا تكون الإساءة لشخص رحل فحسب، بل لوجع شعب كامل ما زال يحمل آثار سنوات طويلة من الألم، ويتمسك بأمل أن تكون التضحيات التي قدمها السوريون أساسا لمستقبل يليق بهم ومحاسبة كل من أجرم بحقهم وسفك دماء الشعب السوري.

المزيد...
آخر الأخبار