العروبة – خاص
أكد مدير إدارة المصالحة الوطنية في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية حسن جبران أن مواجهة خطاب الكراهية والحد من انتشاره تتطلب إجراءات عملية تقوم على ترسيخ العدالة وسيادة القانون، وتعزيز الشفافية وإتاحة المعلومات للمواطنين، مشدداً على أن الشعارات والخطابات المضادة وحدها لا تكفي لمعالجة أسباب التحريض والانقسام المجتمعي.
وأوضح جبران، في تصريح لوكالة الأنباء السورية «سانا» اليوم الأربعاء، أن معالجة مشاعر الغبن والمظلومية، وتحسين الأداء الحكومي، وإشراك المواطنين في صنع القرار، تمثل عوامل أساسية للحد من خطاب الكراهية، مؤكداً في الوقت نفسه رفض فرض الرقابة المسبقة على المحتوى الإعلامي، وضرورة حماية حرية التعبير ضمن ضوابط مهنية وتشريعية واضحة.
العدالة وسيادة القانون أساس مواجهة الكراهية
بيّن جبران أن تصاعد خطاب الكراهية يرتبط في بعض الحالات بشعور فئات من المجتمع بالغبن والمظلومية، وما ينشأ عنه من مواقف تجاه الآخرين، نتيجة الاعتقاد بمشاركتهم في إلحاق الظلم أو تقاعسهم عن تقديم الدعم.
وأشار إلى أن الحد من هذه الظاهرة يتطلب معالجة أسبابها، وليس الاكتفاء بالرد عليها بخطابات مضادة، لافتاً إلى أهمية الارتقاء بمؤشرات الحكم الرشيد وتقديم أداء حكومي تنموي يسهم في معالجة الجراح المجتمعية.
وأكد أن ترسيخ العدالة وسيادة القانون يشكلان مدخلاً أساسياً لتعزيز الثقة وتخفيف مشاعر الاحتقان، بما يساعد على الحد من إعادة إنتاج خطاب الكراهية داخل المجتمع.
الشفافية وكشف الحقائق للحد من التضليل
شدد مدير إدارة المصالحة الوطنية على أهمية تقصي الحقائق وتكريس الشفافية وضمان حرية الوصول إلى المعلومات ونشرها، باعتبارها ركائز أساسية لمواجهة خطاب الكراهية.
وأوضح أن إتاحة المعلومات وتوفير الأدوات اللازمة للوصول إلى الحقيقة يسهمان في تعزيز الوعي العام، والحد من تأثير الخطابات القائمة على التضليل وإثارة الانقسام.
وأكد أن المعرفة الواعية تمثل وسيلة فاعلة لمواجهة الكراهية، ولا سيما عندما تتوافر للمواطنين الحقائق المتعلقة بالقضايا التي يجري توظيفها لإثارة التوترات المجتمعية.
النقد المشروع وحدود التحريض
تناول جبران الفاصل بين النقد البناء المشروع والخطابات التي تستهدف التحريض والتضليل، محذراً من استخدام النقد غطاءً لممارسات تقوم على إثارة المشاعر وتوجيه الاتهامات دون أدلة.
وأشار إلى أن بعض الطروحات النقدية تندرج، بحسب وصفه، ضمن مفهوم «كلمة حق يُراد بها باطل»، عندما تستخدم عبارات تبدو نقدية لإخفاء أهداف تحريضية أو تضليلية.
وأوضح أن من المؤشرات التي يرى أنها تدل على انحراف النقد تحوله إلى هجوم مجرد من المقاربات العملية والحلول البديلة، أو توجيهه بعيداً عن موضعه الصحيح، ولا سيما عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.
ولفت إلى أن استثارة العواطف والشحن النفسي في غياب الأدلة والبراهين قد يحول الخطاب من نقد مشروع إلى وسيلة للتحريض والتضليل.
وقال جبران إن ظهور هذه المؤشرات يعكس، من وجهة نظره، تجاوز حدود النقد المشروع ومحاولة إثارة الفتنة وتفتيت النسيج المجتمعي بمكوناته المختلفة.
إشراك المواطنين في صنع القرار
أكد جبران أن تعزيز التعبير المسؤول والتحقق من المعلومات يتطلبان اعتماد مقاربة تشاركية تقوم على إشراك المواطنين في عملية صنع القرار، إلى جانب ضمان حقهم في الوصول إلى المعلومات.
وأوضح أن مشاركة المواطن في القرارات العامة تعزز إحساسه بالمسؤولية تجاه تصريحاته وممارساته، وتدعم التزامه بالمعايير المرتبطة بحرية التعبير.
وشدد على الترابط بين الحرية والمسؤولية، مؤكداً أن بناء جيل يتمتع بالحرية يستلزم تعزيز وعيه بمسؤولية الكلمة وتأثيراتها في المجتمع.
كما دعا إلى تيسير الوصول إلى الحقائق وإطلاع الرأي العام على المعلومات والتفاصيل المتعلقة بالقضايا التي قد تستغل لإثارة الكراهية والشقاق.
رفض الرقابة المسبقة على المحتوى الإعلامي
أعلن مدير إدارة المصالحة الوطنية رفضه فرض أي وصاية أو رقابة مسبقة على المحتوى الإعلامي، مؤكداً الحاجة إلى بيئة إعلامية تعددية تعكس مختلف الهويات والثقافات.
وأوضح أن هذه البيئة ينبغي أن تتيح للجميع فرص التعبير عن آرائهم، ضمن مدونة سلوك مهنية وتشريعات إعلامية تنظم أخلاقيات الممارسة الإعلامية.
وأشار إلى أن الهدف من هذه الضوابط لا يتمثل في تقييد المحتوى أو الحد من حرية التعبير، وإنما في ترسيخ المعايير المهنية والأخلاقية المرتبطة بممارسة هذا الحق.
ويأتي هذا الموقف في سياق حديثه عن ضرورة التمييز بين النقد المشروع والتحريض، وضمان حق الوصول إلى المعلومات دون فرض قيود مسبقة على العمل الإعلامي.
اختتام مشروع تدريبي لمواجهة خطاب الكراهية
تزامنت تصريحات جبران مع اختتام فعاليات مشروع «تعزيز القدرات الوطنية الإعلامية لمواجهة خطاب الكراهية وبناء السلام في سوريا»، الذي أطلقته وزارة الإعلام بالتعاون مع الأكاديمية السورية للإعلام وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) قبل ستة أشهر.
وتضمن المشروع 35 برنامجاً تدريبياً، استفاد منها أكثر من 775 متدرباً ومتدربة في تسع محافظات سورية.
واستهدف المشروع تعزيز القدرات الإعلامية الوطنية في التعامل مع خطاب الكراهية، ودعم الممارسات المهنية المرتبطة ببناء السلام ومواجهة التحريض.
حملة «الكلمة تبني» لتعزيز الخطاب المسؤول
أطلقت وزارة الإعلام والأكاديمية السورية للإعلام وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في السادس من تشرين الأول الجاري، حملة «الكلمة تبني»، الهادفة إلى التوعية بمخاطر خطاب الكراهية والتحريض والشائعات المضللة.
وتركز الحملة على تعزيز الممارسات المسؤولة في تداول المحتوى ونشره، ونشر الوعي بأهمية التحقق من المعلومات وتجنب الخطابات التي تسهم في إثارة الانقسام، وتشمل أنشطة الحملة مختلف المحافظات السورية، ضمن الجهود الرامية إلى تعزيز المسؤولية في استخدام الكلمة والمحتوى الإعلامي والرقمي.