من معبد بل إلى قوس النصر.. رحلة علمية لمهندسي حمص تبحث حماية آثار تدمر وإحياءها

العروبة – خاص

نظّم فرع حمص لنقابة المهندسين السوريين، ممثلاً بلجنة التراث الهندسي، رحلة علمية وثقافية إلى مدينة تدمر خلال شهر تشرين الأول، للاطلاع على معالمها الأثرية والأضرار التي لحقت بها، ودراسة خصائص عمارتها التاريخية، ومناقشة سبل ترميم المواقع المتضررة وإعادة تأهيلها وفق الأسس العلمية وقانون الآثار السوري والمواثيق الدولية.

وشملت الرحلة عدداً من أبرز المواقع الأثرية في المدينة، بالتنسيق مع دائرة آثار تدمر وبمرافقة دليل أثري مختص، بهدف التعرف إلى الخصائص الهندسية والإنشائية للمباني التدمرية، والاطلاع على جهود الجهات المعنية بحماية الآثار وإعادة تأهيلها.

وأوضح رئيس لجنة التراث الهندسي، المهندس المعماري عامر جواد السباعي، أن النشاط يأتي ضمن جهود نقابة المهندسين لتعزيز دورها في حماية التراث العمراني ودراسته، وإعداد خبرات وطنية متخصصة في أعمال الترميم والتدعيم، إلى جانب ربط العمل الهندسي بالمجتمع من خلال الأنشطة العلمية والثقافية والميدانية.

جولة ميدانية في أبرز معالم تدمر الأثرية

بيّن السباعي، في تصريح لـ«العروبة»، أن الجولة شملت مدفن الإخوة الثلاثة ووادي القبور ومعبد بل وقوس النصر والشارع الطويل والمدرج التدمري والتترابيل، إضافة إلى محيط المتحف وما يضمه من تماثيل ورموز تدمرية.

وأشار إلى أن المشاركين اطلعوا خلال الجولة على الخصائص المعمارية لهذه المواقع، وتعرفوا إلى الأضرار التي أصابت بعض مبانيها وعناصرها الإنشائية، والإمكانات المتاحة لإعادة تأهيل الأجزاء المتضررة.

كما تابع المشاركون جهود المديرية العامة للآثار ودائرة آثار تدمر في الكشف على المباني الأثرية ودراسة أوضاعها، والبحث في الأساليب المناسبة لترميمها وإعادة بناء الأجزاء المتضررة منها.

وأوضح السباعي أن الزيارة أتاحت للمهندسين معاينة المواقع مباشرة، والتعرف إلى طبيعة المواد المستخدمة في بنائها والتقنيات الإنشائية التي اعتمدها المعماريون التدمريون.

الأعمدة والتيجان الحجرية.. شواهد على تطور العمارة التدمرية

أكد السباعي أن المعالم التي شملتها الجولة أظهرت المستوى المتقدم الذي بلغته العمارة التدمرية، من خلال الأعمدة الشاهقة والتيجان المزخرفة والجسور الحجرية والعناصر الإنشائية الدقيقة التي صمدت لآلاف السنين.

ولفت إلى أن الزخارف المعمارية في المباني الأثرية ارتبطت بوظيفة كل بناء وطبيعته، ما يعكس تنوع الأساليب الفنية والهندسية المستخدمة في تشييد المنشآت.

وبيّن أن العمارة التدمرية تميزت بتعدد أنواع المباني ووظائفها، إذ ضمت المدينة منشآت جنائزية ودينية وثقافية وترفيهية وسكنية، إلى جانب المعابد والحمامات.

وأشار إلى أن هذا التنوع يعكس طبيعة الحياة التي عرفتها تدمر، والمستوى العمراني والحضاري الذي بلغته، فضلاً عن تطور أساليب البناء وتوظيف العناصر المعمارية بما يتناسب مع استخدامات المنشآت المختلفة.

حماية التراث مسؤولية علمية ومجتمعية

شدد السباعي على أن حماية الإرث المعماري، ولا سيما المواقع التي تعرضت للأضرار نتيجة الحروب والعوامل الطبيعية، تتطلب مشاركة المؤسسات المختصة ومختلف شرائح المجتمع.

وأوضح أن التراث العمراني يحمل أبعاداً ثقافية وعلمية واقتصادية وسياحية، ما يجعل الحفاظ عليه جزءاً من المسؤولية المجتمعية تجاه الهوية التاريخية للمدن والمواقع الأثرية.

وأشار إلى أهمية الرحلات العلمية في تعزيز الوعي بقيمة التراث، وإتاحة الفرصة للمشاركين للتعرف مباشرة إلى المواقع الأثرية والتحديات التي تواجه حمايتها.

وأضاف أن المشاركين في هذه الأنشطة يمكن أن يسهموا في التعريف بتراث بلدهم ونقل ما شاهدوه إلى محيطهم الاجتماعي والمهني، بما يعزز الاهتمام بالمواقع التاريخية ويدعم السياحة الثقافية.

استحداث مرتبة استشاري التراث الهندسي

كشف السباعي أن نقابة المهندسين استحدثت مرتبة استشاري التراث الهندسي، بهدف إعداد كوادر متخصصة في دراسات الترميم والتدعيم وإعادة بناء المباني الأثرية وفق المعايير العلمية المعتمدة.

وأوضح أن إعداد هذه الكوادر يشكل أحد محاور عمل النقابة في مجال حماية التراث، من خلال تطوير المعارف والخبرات الهندسية المرتبطة بالتعامل مع المنشآت التاريخية.

وأشار إلى أن النقابة تعمل على تنظيم الدورات التدريبية والمؤتمرات وجلسات العمل المتخصصة، إلى جانب التعاون مع الاختصاصيين السوريين والاستفادة من خبراتهم في مجالات الترميم والحفاظ على المباني الأثرية.

كما تتضمن أنشطتها المشاركة في دورات خارجية بالتنسيق مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» في بيروت، بهدف تعزيز التأهيل العلمي والمهني للمهندسين العاملين في هذا المجال.

زيارات وأنشطة علمية لتطوير الخبرات الوطنية

أوضح السباعي أن لجنة التراث الهندسي تعتزم خلال المرحلة المقبلة تكثيف الزيارات الميدانية والأنشطة العلمية النظرية والتطبيقية، بما يسهم في تطوير قدرات المهندسين وإعداد كوادر مؤهلة للتعامل مع متطلبات حماية التراث العمراني.

وبيّن أن هذه الأنشطة تهدف إلى تعزيز الخبرة العملية في دراسة المباني التاريخية، والتعرف إلى أساليب صيانتها وترميمها وتدعيمها، وفق طبيعة كل موقع وخصائصه المعمارية والإنشائية.

وأكد أهمية بناء بيوت خبرة وطنية متخصصة تستطيع الإسهام في الدراسات الفنية والمشاريع المرتبطة بإعادة تأهيل المباني الأثرية، والاستفادة من الخبرات المحلية في الحفاظ على التراث المعماري السوري.

ربط المدن الأثرية بالتنمية المستدامة والسياحة الثقافية

أكد السباعي ضرورة إدماج المدن الأثرية ضمن خطط التنمية المستدامة والسياحة الثقافية، مع مراعاة خصوصيتها التاريخية والاجتماعية والبيئية.

وأوضح أن تطوير النشاط السياحي في المدن التاريخية يتطلب الحفاظ على أصالتها وطبيعة الحياة فيها، وتجنب الممارسات التي قد تؤدي إلى الإضرار بهويتها أو تحويلها إلى مواقع مخصصة للاستهلاك السياحي على حساب سكانها وموروثها الثقافي.

وأشار إلى أن تدمر تمتلك مقومات سياحية متنوعة يمكن الاستفادة منها في إثراء تجربة الزائر، من بينها ركوب الجمال والخيل والعربات والجلسات البدوية، بوصفها أنشطة ترتبط بعادات المنطقة وتقاليدها.

وبيّن أن هذه الأنشطة يمكن أن تسهم في التعريف بالتراث المحلي وتقديم تجربة ثقافية وترفيهية للزوار، ضمن توجه يحافظ على خصوصية المدينة وموروثها الاجتماعي.

صون الهوية التاريخية وحماية المجتمعات المحلية

شدد السباعي على أن الحفاظ على المدن التاريخية يتطلب رؤية متكاملة تتجاوز أعمال ترميم المباني وإعادة تأهيل المنشآت الأثرية، لتشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية المرتبطة بهذه المدن.

وأكد أهمية حماية السكان الأصليين وممارساتهم التقليدية، والمحافظة على التوازن بين متطلبات التطوير والاستثمار السياحي وخصوصية المواقع التاريخية.

وأشار إلى أن استمرار الحياة في المدن الأثرية والحفاظ على هويتها يرتبطان بصون موروثها المعماري والاجتماعي، وتعزيز دور المجتمعات المحلية في حماية هذا الإرث ونقله إلى الأجيال المقبلة.

وتبرز الرحلة العلمية إلى تدمر أهمية الجمع بين الدراسة الهندسية الميدانية والتأهيل المتخصص والتوعية المجتمعية، في إطار الجهود الرامية إلى حماية المواقع الأثرية المتضررة وإعادة تأهيلها وفق المعايير المعتمدة.

وتبقى حماية آثار تدمر مرتبطة باستمرار الدراسات الفنية وأعمال الترميم المتخصصة، وإعداد الخبرات الوطنية، وربط التراث بالتنمية والسياحة الثقافية بصورة مسؤولة، بما يحفظ القيمة الحضارية للمدينة ويصون هويتها التاريخية والاجتماعية للأجيال القادمة.

المزيد...
آخر الأخبار