تحية الصباح…أرأيتَ أعظمَ أوْ أَجَلَّ مِنَ الذي..

ها هو «عيد المعلّم»، يأتينا كلّ عام على جوادٍ أصيل، بابتسامته الريّانة، يقول بفمه الواسع: هأنذا عدتُ إليكم، و»العَوْدُ أحمدُ»، لأطلّ على أوضاع المعلمين والمعلمات، المدرّسين والمدرّسات، متفقّداً أحوالهم وأنشطتهم وعطاءاتهم؛ ويتابع: فأنا على قناعة تامّة، أنه ينبغي إحاطة المعلّم و المعلمة، المدرّس و المدرّسة، بظروف خاصّة جدّاً، وبأسرع وقت ممكن، إذا كنّا ندرك جيّداً، أنّه بدون معلّم/ مدرّس ذي ضمير حيّ، ومثقف ثقافة واسعة ضافِية، ستنهار الدّولة، أيّة دولة، كالبيت المبني من دون أساسات، أو من طوبٍ لم يُحْرَق جيّدا داخل الفرن.. المعلّم عندنا، أيّها المعنيّون الأكارم، عامل يدوي، يخرج -بعد استراحة قليلة بالبيت- لعملٍ آخر، يكسب من ورائه مصدراً مادياً إضافياً، له ولعائلته، لأنه على قناعة راسخة، أنّ الراتب وحده لا يكفي، «إذ ليس بالرّاتب وَحْدَه يَحْيَا المعلّم»، خاصّة بظلّ الظروف الاقتصادية الاستثنائية القاسِية، التي يمرّ بها وطننا العزيز.. المعلم مقهور، خائف من أنْ يفقد رغيف خبزه، وخبز أبنائه وعائلته، والأوْلى والأجدر، أنْ يرى فيه الأهلون والطلاب والمعنيّون والموظفون والأقرباء والجيران قوّة جديرة بالاحترام والاهتمام، مثلُ هذا المعلّم، لا يهتمّ بتحسين الأوْضاع التعليمية، وهو على هذه الحال المُزْرِية، فَدورُه ينحصر فقط، بالتنفيذ الحَرْفي لتعليمات مديرية التربية، أو الوزارة.. (إنّ من الإدانة، أنْ تدفعوا راتباً شهرياً متواضعاً لرجلٍ مَدعوٍّ لتربية الأجيال الصّاعدة وتعليمها، لتربية الشّعب وتعليمه)! إذ لا يجوز، بأيّة حال، أنْ يتواجد المعلم بغرفة الصف، وفضاء المجتمع والشارع، بتلك الثياب القديمة ، والأسْمَال البالية، بل ويرتعش من البرد القارس في المدارس الرّطبة، أو تلك التي تناوشَتْها أيادي الغدر والتدمير، بظروف الحرب السوداء، التي لاتزال طاحونتها الدمويّة دائرة هنا أو هناك.. أو أنْ يختنق بدخان المدافىء السيّئة، ويُصاب بالارتجاف، والأنفلونزا، والرّوماتيزم، وعُرُوق الدّوالي،..! أتدري قارئي العزيز، أنني عندما أرى أحد المعلمين، «وقد كنتُ معلّماً ومدرّساً مدّة عشرين عاماً وأكثر»، أشعر بالحَرَج، بسبب وَجَلِه وخَجَلِه، وملابسه المُشترَاة حتْماً من «محلات البالة»، التي تزايدت أعدادها، فصارت كالفِطر.. المعلّم الحقيقي، والمدرّس الحقيقي، ينبغي أنْ يكون كلّ منهما قد أُعِدّ إعداداً جيّداً، قبل وُلوجِه قاعة الصفّ! أذكر بستينيات أو خمسينيات القرن الماضي، كان طالب «الشهادة الإعدادية»، الذي ينال درجات عالية، يتقدّم لفحص المقابلة لدخول «دار المعلمين»، تلك الدار «المصنع»، المنوط بها إعداد الطالب إعداداً متميزاً، ليتخرّج فيها بعد أربع سنوات معلّماً متمكّناً من مهنته، بفضل دروس التربية وعلم النفس، وطرائق التدريس، التي يتلقاها الطالب من أساتذة كبار، لهم تجربتهم وإخلاصهم وثقافتهم، التي لا يقربها الشكّ.. إضافة لتلك الدروس التي يتلقّاها الطالب من «التطبيقات العملية»، بحيث يقودُ مدرّس «التطبيقات» مجموعته، ليحضروا درساً عملياً بإحدى المدارس، يلقيه معلّم من معلّمي تلك المدرسة.. وبيوم آخر يكلّف مدرّس «التطبيقات» أحدَ طلاب مجموعته، ليقوم بتحضير درس نموذجي، مع وسائل الإيضاح المتاحة، ليلقيَه أمام مدرّسه، وزملاء مجموعته، وطبعاً أمام تلاميذ الصفّ، حتى إذا أنهى حصّته، اجتمع به مشرفُه هذا، وباقي زملاء المجموعة، لمحاورته ومناقشته بِحيثيات الحصة، أين أخطأ، أين أصاب..إلخ! هكذا بزمنٍ جميلٍ مضى، كان يتمّ إعداد المعلمين والمعلمات، إضافة إلى تخرّج بعضهم في «الصفّ الخاص»، وهي الدراسة لمدة عام «بدار المعلمين» بعد الثانوية، وهناك بالمقابل «معاهد إعداد المدرّسين»، المنوط بها تخريج المدرّسين الأكْفَاء، شريطة أن يكون الطالب قد حازَ الثانوية، بأحد فرعيها؛ وهؤلاء المتخرّجون، بعد دراسة لعامين، يقومون بتدريس طلاب المرحلة الإعداية وطالباتها، وربما يُفرَز عدد منهم/منهنّ للتعليم بالمرحلة الابتدائية! المعلّم أو المدرّس، ينبغي أيّها المعنيون الأفاضل، أنْ يُعَدّ إعداداً جيداً، قبل خوضه مهنة التعليم، التي هي منْ أشرفِ المهن وأقسَاها وأهمّها، فيما لو أدّى حامل الرّسالة رسالته بأمانة الرجال، من دون تضييع لدقائق الحصّة الدرسية، بألهيات بائِخة، كالحديث على «الموبايل»، أو احتساء القهوة، أو تناول وجبة الفطور داخل الصفّ، وما شابه.. ختاماً، لأجل إعداد جيلٍ واعٍ متين، ينبغي أن يكون المعلّم مربّياً ومعلّماً ومثقفاً وذكيّاً وفناناً وأباً وأخاً، وأوّلاً مُكتفياً مادّياً ومَعاشِيّاً، وأنْ يكون مُتيّماً بعمله حدّ التّماهي والعشق، لتأتيَ حصائل جهوده على خيرِ ما يُرَام.. ألم يقل شاعر:
«أَرَأيتَ أَعظمَ أوْ أَجَلَّ مِنَ الّذي يَبنِي ويُنْشِىءُ أنْفُسَاً وَعُقُولا»؟
وكلّ «عيد معلّم»، والمعلّمون الحقيقيون، والطلبة، والأهلون، والوطن، والجميع، بخير..

وجيه حسن

المزيد...
آخر الأخبار