ملونة تلك المظاريف الناصعة البياض والمزركشة بمستطيلات زرقاء وحمراء , وهي تبدو في أشكالها لتكون أنموذجاً ثابتاً في شكله , ليتعدد أنموذجات , كثيراً ما كانت تسترعي انتباهنا , ونحن في بواكير أنفاس الحياة أعماراً , ومقاعد الدراسة أطفالاً حيث كنا نشاهدها , ولا سيما عندما كنا نرى قطعة الغلاف التي هي نافذة المظروف , وكتمان ومهابة إغلاقه بما يختزن من كلمات , مداها دفق العواطف , وغنى التحايا , ومخزون ما تسكبه المفردات من خوابيها بما يحاكي العقل والوجدان ما بين سلام وتحية , واستهلال وقول في ثراء مضمون وسعادة طمأنينة في متسع أمل واكتناز رجاء , وكثيراً ما كانت بعض عبارات يتقاسمها الجميع من مثل ” لا ينقصنا سوى مشاهدتكم …” أجل اتسعت عندنا حكاية الرسالة من خبرة بصرية تزدهي بها الألوان فتشدنا , إلى خبرة بصيرة عبر مهارة ترسم مؤشرات كتابة الرسائل حيث ذلك ضمن تدبيج مكثف ما بين يراع وكلمات وفكر ومداد وقراطيس وإعمال تفكير وتحديد زمان ومكان واستهلال وبسط عرض وسقيا خاتمة , وثمة اسم وتوقيع وما إلى ذلك من أشياء . هكذا بسطت الأوراق أكفها واستقبلت المظاريف أوراقها ما بين مدون ومتلق ووسيط ضمن مدارات لقاء الإنسان بالإنسان . وجاءت لغة التدفق المعرفي والحتمية التكنولوجية وكثرت الوسائط عبر برامج التقانة التي جاد ويجود بها المجتمع الإلكتروني وعلى مطلول شواطئ هذا الكون الرحيب في قريته الكونية ليتجاوز المظاريف أوراقاً وسعة زمان و يتخطى أيضاً خبرات حكايات الحمام الزاجل والطرائق الأخرى وما جاد به الفن الأصيل كلماتٍ و ألحاناً ومؤدين هم أساتذة في معنى الفن الرفيع وسمو رسالتها الأبقى حضورا في دهش كل ذواقة يهيم ذوبانا في قيمة كل نبوغ حديثاً عن كل أمر يحاكي العقل والوجدان لدى الإنسان فما أكثر الأغنيات التي تحدثت عن الرسالة وما تنضح مفرداتها من ارتعاشات بأحاسيسَ ومكين وجد يسكن الأهداب وتقصه مثخنات جراح على خدود أسيلة تروي حكايات الحب والشوق والجمال والسؤال حيث الإنسان في جوهره وقدة تشاغل وسعة انشغال . ها هي معطيات الحياة المعاصرة وفرت الزمان على ثراء ابتكارات في التقانة , وسبق في كل تقدم وتطور , فاختصرت كل مسافة بين مرسلٍ ومتلقٍ , فالمسافة بينهما هي حراك الثواني على هزيز أنغام لمسات أزرار حروف وجذوة اتقاد كل وشوشة في مسامع كل همس شفيف ينساب شذاً شأن الرياحين على أطباق النسمات , وقد عطرتها ثغور الورد وتشربها الفضاء الأرحب عبر جنبات توارد اللهفات أشواقاً وهي ترى تجدد تواصلٍ . إن هذه المعطيات في مرتسمات حيثياتها معاصرة عبر إنتاج كل عصف ذهني في ابتكار أو إبداع لم تستطع أن تمحو تلك الجماليات الفطرية لمكنونات ما اعتاد عليه المرء في خاليات السنين وحاضرها على قلة , مهما انفرجت أسارير التحيزات المكانية أو القدرات على تقارب أو تباعد فروقها الفردية وها هي تحديات الظواهر الطبيعية والأمراض والأوبئة وحتى لغة الجشع الاقتصادي عبر الشركات ومضارباتها في الأسواق إنتاجاً و عرضاً وبيعاً واستهلاكاً أن تمنع النزوع الفطري لكينونة الإنسان الحقة من البحث عن لقاء الإنسان بالإنسان وجهاً لوجه ضمن علاقات إنسانية متبادلة فيها التواصل حقيقة واقعة كل منهم ملء العين والبصر في نبالة طمأنينة واستحضار حال وقد أدرك الجميع قساوة كل اغتراب , أياً كان في سلوك أم ضيقاً في حال أم وباء راح ” فيروسه ” يحطم الحدود تضاريس َ لكنه يؤكد لقاء الإنسان بالإنسان وجعاً وجودياً يهدد مصيره إذ ليست كل الوسائط الإلكترونية بقادرة على أن تكون بديلاً عن التفاعل الإنساني في حقيقته أنموذجاً اجتماعياً مداه هذا التعاضد الإنساني حراكاً بناء وتفاعلاً خلاقاً . ألا ما أجمل أن يلتفت العقل البشري إلى إدراك ماهيته رسالة وجود تستنهض كل تراحم ومحبة وتسامح وسعادة اغتباط في معمارية كل بناء ينشد الخير والمحبة أجيالاً و أجيال , و أن يكون هم كل ذي باع في طاقة بمكان ما بين ساعد وذهن وفكرة ومشروع ومقدرة ومدى في حضور أن يكون اختزان أكف ندية سرح عطاء لقيمة الإنسان , فإذا ما استجد عارض يتحدى فيوقع الإنسان في حَجْر فإن الإنسانية عقدها بريق لألئ من محبة نوافذها مشرعة إلى حيث الآفاق من الخير والتسامح والمحبة , وسعادة كل تواصل تنشده الحياة في رحاب القيم الإنسانية , ورقي كل صفاء , ونضارة كل جمال : تهتز أغصان المودة أحرفاً ويلين للصحب الكرام كلامُ وتحنُّ بالقلب المحب صبابة فيطير منها بالوصال سلامُ
نزار بدّور