تحية الصباح… بالطّين.. تُرقّعُ الجدران!

أعلمُ، كما يعلم آخرون، أنّ الإنسان خُلِق من الطين، وإلى الطّين يعود! وعلى صورته، صنع الإنسان من الطين تماثيل ومنحوتات وما يشبه “الأيقونات”، مفردها الأيقونة”، أي (الصّورة والتمثال)، ويقابلها بالعربية كلمة: (النَّصَمَة)! سوّى الإنسان حجارة من الرّمل والماء، بعجين يديه وتعبهما وتشققهما، وشيّد بيوتاً وقصوراً وقِلاعاً وحدائق، وأقام جدراناً وأعمدة وقنوات.. رنا طويلاً إلى الجدار، وهو بحالة اندهاشٍ قصوى، وبِحال التّعب كان يسند ظهره إليه، علّه يستريح من العناء الذي هدّه، ولو فسحة من الوقت.. وبالصيف اللهّاب، يلوذ إليه، إلى فيئه، خوفاً من لسعات الحرّ اللاذعة.. وبِبعض الأحيان يموت إنسانٌ ما، إلى جوار جدار، رَمْيَاً بالرّصاص، لأنّه خان طينَ وطنه وخبزَه والهواء، وأحياناً يتعلّق المرء بجدار، يحتمي بظلّه، فيكتب عليه بعض الذكريات والكلمات والأمنيات.. وهناك صنفٌ من البشر، يتسلّقون جدران البنايات في بعض الدول، بخفّةٍ ورشاقة، هي هوايتهم العزيزة على قلوبهم، فتطلق الصحف والتلفازات والقنوات على واحدهم تسمية: “بطل التسلّق”.. وعلى الجدار يكتب بعض الناس أسماءهم المُحبّبة، أو أسماء محبوباتهم، مُطعّمة بِفُستق الأوصاف والنّعوت الجميلة المُونِقة، وهناك مَنْ يرسمون على الجدران لوحاتٍ مائية أو زيتية، تلك التي تُسمّى: “جداريّات”، أو يخططون بأقلام الفحم، بعض الرّسوم والأشكال، وسوى ذلك.. ومِنَ الناس مَنْ يرسم على جدارٍ ما شجرةً حبيبةً إلى قلبه، يعاينها فَرِحَاً مَحْبُوراً، كلّما رآها، أو طاف قرب هذا الجدار الأليف.. الطّين والجدار، وبينهما الإنسان.. الطين مادّة التّكوين، الذي يشكّل صورته بالخيال.. وقبل الخيال، كان الطينُ مادّة صمّاء، كان كَدْسَاً هُلامِيّاً، لا هُويّة مرئيّة له، ولا صفات.. وبخيال الإنسان الفنّان المبدع، يتحوّل الطّين إلى إبريقٍ وآنيةٍ وتمثالٍ وحجرٍ وبناء.. إذن، من الممكن، أنّ الإنسان البدائيّ، كان قد أسّس كهفه الأوّل، اعتماداً على خياله الخصِيب البِكْر.. ومن الممكن أيضاً، أنْه كان يملأ فراغات مسكنه، بالأشياء الطينيّة، التي تتحوّل مع مرور الزّمن، إلى كائنات غير ناطقة، لكنّها بمنزلة التّحف المُفضّلة لديه، والغالية على قلبه! والجدار، كما يتراءَى للأَناسِيّ، هو حارس البيت، الذي لا ينام، يحيط به بأمنٍ وأمان، إحاطة السّوار بمِعصمِ اليد.. وثمّة جدار يُعتمَد عليه، وجدار لا يمكن الاعتماد عليه، كأنّ الجدران كالرِّجال، فجدار يخذلك ويخونك، كرجل كثير الخذلان والخيانة، لا ترجو منه خيراً، وهناك رجل كالطّود، يقف إلى جوارك، داعماً إيّاكَ بالسرّاء والضّرّاء.. بالطّين نُرقِّع الجدران، كما تُرقّع أمٌّ بائسة الحال ثوباً بالياً لابنتِها، حبيبةِ القلب، وحبّة الرّوح! الجدران تبلى، تتشقّق، تتهدّم بفعل عوامل شتّى، كالأعاصير والزّلازل وسواها، ويبلَى البشرُ كذلك، يغادرهم الأوكسجين، إلّا الطين، هذا الذي سَبِيْكَة الأرض! يشمّ أحدنا رائحة الطين المُعتّق، فتفور وتغلي أشواق التّراب بِدخِيلته، وتثور بِأعماقه شهوات الخصب والولادة! وبلحظة صفاء مع الذّات، كماء ينبوعٍ صافٍ، نستطيع كتابة قصائدنا وحكايانا على ألواح وشواهد، كأنّما هي إشارات بطريق العمر.. نقرأ على تلك الشّواهد، وهاتيك الألواح، ما عجز الإنسان الآثاريّ، والمِعماريّ المُختصّ، والفنّان المبدع، عن فكّ رموزها والغوامض: – حصان الطين، لا يفوز بالسّباقِ أبداً.. – إذا مررت بجدار، فألقِ عليه السّلام، لأنّك من التراب، وإليه! – اتّبعْ كتابَكَ أنت.. لا كتاب عدوّك اللدود المُتربّص! – دائماً، موقدُ الحطّاب كثيرُ الرَّماد.. – حتى التماثيل، يصيبها الضَّجَر، فتتثاءب. – الوردة التي بلا رائحة، تُبالغُ في زِينتها. – لا تطأْ ظلَّ حصانك، كيْلا يذوبَ صهيلُه في الرّمل، أو في الطين. – الطفل غابة من الأحلام الصغيرة، المُنمنمَة، بطهرِه والنّقاء. – البحر يسخر من المرأة الجميلة، بهدوئِه الأزْرَق.. – الحبّ قصيدة واحدة، يكتبها كلُّ عشَّاق العالَم. – ما أجمل صباحات الجدران المُتوهّجة، حين تكونين إلى القُربِ منّي. – ها هي التوجيهات الكريمة ، لترميم ما لحقه العطب والتّخريب، من جدران وطرق وأبنية ومؤسّسات وقِلاع ومدارس وأسواق وحدائق ومراكز ثقافية، على أيدي الإرهابيين: تتار القرن، وكلّ قرن.. – أمّا “جدار العَزْل” الظالم القاسِي، الذي بناه الأوْغاد، شذّاذ الآفاق، أولاد الأفاعي، فقد حبسَ خلف حجارته الصّلبة، وإسمنته الّلدود، كلَّ القلوب والأفئدة، الرّانية إلى غدٍ وضّاء، لا بدّ آتٍ آتٍ، طالَ الزّمن أم قصر! – وأمّا “الجدران الوهميّة الزّائفة”، التي أوجدَها إرْهابيّو العصر، وكلّ عصر، ليمنعوا الشّقيق من لقاء الشّقيق، والجار من لقاء الجار، والمُواطِن من لقاء أخيه في المُواطَنَة والانتماء والجذور، فلبِئس ما صنَعُوه، وأوْجدُوه، و”فَبْرَكُوه”، وتبّاً وهلاكاً لتلك الأيادي المجرمة، ولهاتيك العقول المظلمة، التي تلقّت إملاءاتِها وتعليماتِها والدّولارات المُخادِعة، من خارج جدران الوطن، من هناك، من الأبعدِين والأقربِين، على حدٍّ سواء، لأجل اغتيال الوطن، ومؤسّساته، وأناسِيِّه، وطِينِه، وجدرانِه، وكلّ مَنْ فيه، وما فيه..
وجيه حسن
المزيد...
آخر الأخبار