تحية الصباح .. زمن جديد

جلس صديقي وعلى وجهه غمامة واضحة، وبعد جلوسه بقليل قال متنهّداً ” لا أكتمك أنّني في خلواتي أقلّب الأمور، وأنا الذي عاصر الأحداث… وكنت مهتمّاً بها منذ منتصف خمسينات القرن الماضي حتى الآن، فأشعر بالكآبة لِما آلت الأمور إليه، فبعد أن كنّا نرى أنفسنا على

 أبواب وحدة ما، بين قطر أو أكثر، ها نحن كما ترى، فقد تمزّق الموقف العربي حتى بلغ الأمر بالبعض أن ذهب علناً للتعاون والتطبيع مع الكيان الإسرائيلي”

قلت :” معك حقّ، فنحن أمام أزمنة جديدة ، بعد الحرب العالميّة الأولى التي أدّت إلى احتلال البلاد العربيّة الواقعة في شمال غرب آسيا، وبعد تنكّرهم للوعود التي قطعوها لقادة عرب بإقامة دولة عربية فيها، كان أن بسطوا سيطرتهم على كل شيء فيها، وصادروا قرارها الوطني، وأنشأوا الكيان الإسرائيلي .. بعد هذا كان على القوى الوطنيّة أن تُناضل، كلّ في قطره من أجل الحصول على الاستقلال، بيد أنّ تلك الاستقلالات ظلّت مقيَّدة ببنود تصبّ في صالح المحتلّ، وتُعرقل أية إمكانيّة لتحرير الأرض المحتلّة في فلسطين، وظلّت تلك السياسات متّبعة من البديل الأمريكي الذي حلّ محلّ الاحتلالين الإنكليزي والفرنسي، وعلى رأسها الدّعم عير المحدود للكيان الصهيوني، ولم يكد ينتهي القرن العشرين، ومع إطلالة القرن الحادي والعشرين بدأ الأمريكان باجتياح المنطقة بشكل مباشر، فكان احتلال العراق، والضغط على سوريّة للقبول بالورقة الأميركيّة، فرفضت سوريّة ذلك، وسوريّة مفتاح رئيس في كلّ عمل سياسي، فلم يطُل الوقت حتى اندلع الخراب الاخواني الدّاعشي، إذ ليس بين احتلال العراق وتدميره تدميرا أرْجعه إلى الخلف عشرات السنين.. وإيقاد الحرب في سوريّة إلاّ ثمان سنوات، كانت مليئة بالتهديدات والألغام والاحتمالات، ولكي لا نغرق في التفاصيل المعروفة التي عاصرناها جميعا، وعشنا آلامها، وكنّا فيها مهدّدين في بيوتنا وعائلاتنا، بل وبتجزئة سوريّة..

أمريكا تخرج منهزمة ذليلة من أفغانستان، رغم كلّ ما يُقال عن اتّفاق بينها وبين طالبان، فقد خسرت مليارات الدولارات باعتراف مسؤولين فيها، ولم تصل إلى ما تريد، هذه الهزيمة في أفغانستان قد تكون بشارة هزائم أخرى في هذه المنطقة، ومن بوادر ذلك:

– سوريّة الآن، قياسا إلى ما كانت عليه قبل سنوات تمكّنت من تحرير معظم أراضيها من رجس الإرهاب ، وآخر حضور لهم في الجنوب “درعا” ،اجتثّ ذلك الجيب الذي راهن عليه الصهاينة ومَن انحاز إليهم

-في العراق ثمّة مؤشّرات تُرجّح أنّ الأمريكان سينسحبون منها، ويبقون على بعض المحطات فيها، والكحل كما يُقال خير من العمى.

-في اليمن أخفق السعوديون والاماراتيّون، والذي جاءوا إلى اليمن بأوامر أمريكيّة.. أخفقوا في تحقيق ما يريدون، وأصبحوا في مأزق حقيقي، في مواجهة شعب فقير شجاع، يحقّق الانتصار بعد الانتصار رغم جبروت السلاح الأمريكي.

– في لبنان، ما قام به حزب الله من استيراد المحروقات من إيران، أحدث هزّة في العمق في أوساط أمريكا، وفي أوساط المؤتمرين بأوامرها،ولا تفوتنا الجرأة التي تمثّلت في اعتبار البواخر أراض لبنانيّة.

– في المغرب جماعة الفكر السلفي الديني ينهزمون في انتخابات شعبيّة، وفي تونس هم في مأزق مع أنفسهم، ومع الدولة، ومع القوى السياسية الماثلة.

كلّ هذا يبعث شيئا من التفاؤل، التفاؤل الحَذِر، وذلك لأنّ النّهوض المُبتغى قطريّاً، مهدّد بالفساد  في الداخل،  والبحث عن المكسب الشخصي، وهذا معيق كم راهن عليه الطامعون منذ بدايات القرن الماضي.

دماء الشهداء، أحوج ما تكون لعمل تُجتثّ فيه هذه الطفيليات…

عبد الكريم النّاعم

aaalnaem@gmail.com

المزيد...
آخر الأخبار