تسعى مديرية زراعة حمص بالتعاون مع مربي النحل إلى تكثيف الجهود للحفاظ على هذا القطاع الحيوي، لما له من أهمية اقتصادية وبيئية، وضمان استمراريته رغم التحديات الكبيرة التي يواجهها جراء الجفاف وتأثيرات الحرب التي أثرت على الإنتاج.
وبالرغم من هذه الظروف، يصر مربو النحل في حمص على تحويل رحيق الأزهار إلى أجود أنواع العسل، مستفيدين من التنوع البيئي والمناخ المناسب للمنطقة.
في هذا السياق، أكد المهندس أيمن شلار، رئيس شعبة النحل في مديرية زراعة حمص، في تصريح لـ«العروبة»، أن العسل السوري يتمتع بجودة عالية وتعدد أنواعه، حيث يشمل أنواعاً مثل عسل اليانسون، الكينا، القبار، الأشواك، الهيجان، القطن، السمسم الجبلي، الحمضيات، الحبة السوداء، والكزيرة وغيرها.
وأضاف أن محافظة حمص تضم حوالي 11 ألف مربي نحل يمتلكون ما يقارب 550 ألف خلية وفق آخر الإحصاءات، مشيراً إلى أن الإنتاج كان جيداً في السنوات الماضية، إلا أن موجات الجفاف المتكررة أدت إلى انخفاض ملحوظ في كمية العسل المنتجة، حيث بلغ إنتاج الخلية الواحدة فقط نحو 2 كيلوغرام تقريباً في الموسم الماضي.
ولفت شلار إلى أن التغيرات المناخية وتتابع الفصول يلعبان دوراً أساسياً في الكمية والنوعية، مشدداً على أن أنواع العسل تختلف حسب الموسم، فمثلاً الربيع يتيح إنتاج عسل الحمضيات واللوز، بينما في الصيف تتفتح أزهار اليانسون والكينا، وفي الخريف ينتج عسل القطن والسمسم، ومع نهاية الموسم يمكن الحصول على عسل العجرم (الشيح الجبلي). وأضاف أن الكميات المنتجة تعتمد على خدمة المحصول، توفر المياه، والظروف الجوية السائدة.
تحديات تواجه المربين
واستعرض المهندس شلار أبرز التحديات التي تواجه مهنة تربية النحل، ومنها ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج وعدم استقرارها، وعدم توفر أماكن مخصصة لوضع خلايا النحل، وانخفاض أسعار العسل البلدي مقارنة بالعسل المستورد بأسعار منافسة، وظاهرة سرقة الخلايا ورش المبيدات الحشرية أثناء موسم الإزهار، وعدم وجود أسواق خاصة لتصريف المنتج، وتكاليف الحراسة، نقل الخلايا، وارتفاع أسعار الوقود.
وحول كيفية التأكد من سلامة وجودة العسل، نصح شلار بشرائه من مصادر موثوقة والابتعاد عن الأعسال المباعة على الأرصفة، كما أكد أهمية تحليل العسل في مختبرات معتمدة، مشيراً إلى أن الدوريات التموينية يمكن أن تساهم في الحد من ظاهرة غش العسل.
نقل الخلايا ليلاً والتكيف مع البيئة
من جهته، أكد المهندس ماهر الكردي، مدير مكتب اتحاد النحالين العرب في حمص، أن تنوع أنواع العسل في المحافظة مرتبط بالمواسم والمراعي المتاحة، مشيراً إلى أن اليانسون والأشواك هما الأكثر انتشاراً، وفي تموز من كل عام تتوفر مراعي القبار والجيجان (الحلاب). وأوضح أن المربين يحتاجون إلى دراية كافية بتأثيرات المناخ والظروف البيئية، وأن الإزهار يعد المؤشر الرئيسي لتوقيت نقل الخلايا.
وأضاف الكردي أن عملية نقل الخلايا تتم ليلاً إلى المناطق الساحلية عندما تتوفر المراعي المناسبة، لضمان استمرار الإنتاج في ظل تباين الظروف المناخية بين المناطق.
تسهيلات وتشجيع للمربين
وأشار الكردي إلى أن اتحاد النحالين قدم مؤخراً تسهيلات لمساعدة المزارعين، منها التعاقد مع مصرف البركة لتقديم قروض ميسرة للمربين، وتأمين الأدوية اللازمة لمكافحة أمراض النحل، خاصة مرض “الفاروا”، الذي يعد من أخطر الأمراض التي يمكن أن تقضي على الخلية، ومنح بطاقات خاصة للمنتسبين للاتحاد لتسهيل عمليات الترحيل.
وأشار إلى أن الاتحاد يعمل منذ عام 2019 على إقامة معرض سنوي للتعريف بالعسل السوري في دمشق بالتعاون مع وزارة الزراعة، وهناك مقترحات لإقامة معارض مماثلة في باقي المحافظات.
آفاق المهنة وضرورة الدعم
وأوضح الكردي أن تربية النحل شهدت تحسناً ملحوظاً بعد عودة عدد من المربين إلى منازلهم في حمص وريفها بعد التحرير، وعودة انتشار المناحل في معظم المناطق. لكنه أكد ضرورة دعم المربين، خاصة من حيث تخفيض تكاليف الإنتاج وتوفير الخبرة للمربين الجدد، التي تستغرق عادة 4 إلى 5 سنوات لاكتساب المهارة الكافية، مشيراً إلى أن الدورات التدريبية التي تقدمها كلية الهندسة الزراعية بجامعة حمص، واتحاد الغرف الزراعية، واتحاد النحالين تساهم في رفع مستوى الخبرة وتقليل مخاطر الفشل.
تعد تربية النحل من المهن الحيوية التي تواجه تحديات كبيرة في حمص وريفها، إذ يتطلب دعم القطاع من خلال فتح أسواق لتصريف المنتجات، وتخفيف القيود الإدارية والتصديرية، وتقديم التسهيلات المالية والفنية، ولا يمكن لهذه المهنة أن تزدهر من جديد إلا إذا أولتها وزارة الزراعة ومديريتها في المحافظة الاهتمام الكافي، ووفرت بيئة مواتية للنهوض بإنتاج العسل السوري وجودته، وحماية سمعة سلالاته المتميزة في السوقين المحلي والخارجي.
العروبة – ابتسام الحسن