تحية الصباح .. الورود في زمن الحرب

وقفت طويلاً أمام نافذتي بيت صديقي –أبي الجود -،كان حديد كل نافذة يمثل حوضاً حقيقياً لأصص الورود ،إذاً أنا أمام حوضين حقيقيين للورود ،الأصص تتعلق على الحديد البارز قليلاً من أسفل النافذة إلى أعلاها ،ورود طبيعية ،فهنا قرنفلة وإلى جوارها فلة وأسرة كاملة من أسر الورود التي لم أستطع إحصاءها ،نعم ورود طبيعية تسقى بانتظام وتنمو بانتظام وتفتح براعمها بانتظام وليست وروداً بلاستيكية لا حياة فيها ،لا بريق ،لا عطر ،لا لمسة خضراء نضرة ،وقد استمر هذان الحوضان على مدى السنوات الثماني التي حاول فيها الإرهاب التكفيري أن يجفف ينابيع الحياة في وطني سورية ،وأن يقضي على الطبيعة والإنسان والفن والجمال ،نعم فحوضا الورد المعلقان كحدائق بابل المعلقة ،بقيا شاهداً على إرادة الحياة السورية ،على حب الجمال والفن ،على الرغم من أن قذيفة هاون أطلقها الإرهابيون سقطت على البناء المقابل للنافذتين الحديقتين وغطتهما بالحصى والتراب ولكن إرادة الجمال ،إرادة الحب ،إرادة الحياة لم تتأثر وعادت النضارة إلى أصص الورود ولكم أن تتذكروا أن الإرهابيين في كل مكان من وطني الجميل سورية جعلوا متاريسهم من حاويات القمامة ،وجعلوا خنادقهم أقنية الصرف الصحي ،وكأنهم حريصون أشد الحرص على التلاحم العفوي بين الشكل والمضمون الذي يتحدث عنه دارسو الأدب ونقاده كثيراً .
وصديقي أبو الجود يجسد المقولة الرائعة :أن تشعل شمعة خير من أن تلعن الظلام ألف مرة ،فهو لم يكتب موضوعاً إنشائياً في جمال الورود وأهميتها ،ولم ينظر في أهمية شعار :ازرع ولا تقطع ،على كثرة المنظرين في حياتنا الذين يهرفون بما لايعرفون ،فيتشدقون بأهمية العمل وهم أكسل من هرِّ منزلي طويل الشعر ،وتجف ألسنتهم من طول الحديث عن الأخلاق الفاضلة والاستقامة والنزاهة وضرورة المحافظة على الأملاك العامة والخاصة ،وهم سرقوا حتى الخطوط الحديدية ولم يتركوا إلا بعض البراغي لأنها كانت صدئة واستعصت على الحل أو الفك .
لقد زرع صديقي الورد على النوافذ ،وغرسه في نفوس الناس لوناً وعطراً ورمزاً ،ولم يستحضر مقالع اللغة في لسان العرب والقاموس المحيط ويكثر حجارتها من أجل أن يصنع قصيدة في مدح الورد فتبدو الورود في قصيدته من حجارة ،وعطرها من غبار .ومن غريب العجائب أن بعض الذين يسهرون الليالي في اقتلاع الكلمات من معاجم اللغة لتركيبها أنصاص نعل في نهايات أبياتهم أصبحوا أساتذة الشعر ومنظريه لهم مريدوهم الذي يتلقون دروس الإبداع على أيديهم ،ويشاركون في مسابقاتهم وربما كانت علاقة لجان التحكيم كعلاقة الأعرابي بمركبة الفضاء .
فتحية لك يا صديقي ،يامن علقت أصص الورود على حديد النافذتين فكانتا حوضين حقيقيين بألوانهما وعطرهما ،ولم تأت بالمطرقة والإزميل والحجارة لتصنع أشكالاً كلامية فارغة للورد .

د. غسان لافي طعمة

المزيد...
آخر الأخبار