قبل استلام نظام الأسد البائد للسلطة في سوريا، خاض الأكراد معركة طويلة من أجل نيل حقوقهم الطبيعية كبقية مكونات الشعب السوري، لكن ما لبثت أن تحوّلت تلك المطالب إلى ملف محظور في عهد حافظ الأسد، الذي قرر أن يضع الهويّة الكردية برمّتها خلف أسوار النسيان الرسمي، مطبقاً سياسة “الاعتراف المشروط بالولاء”، ورافعاً شعاراً غير مكتوب مفاده: “كن كردياً لكن لا تتحدث عنه”.
لم يكن حافظ الأسد يوماً معنياً بتكريس العدالة الوطنية، بل رأى في المكون الكردي مصدر قلق أمني وجغرافي يجب ضبطه، لا شريكاً سياسياً أو ثقافياً، ولم يُجرؤ الإعلام الرسمي على ذكر كلمة “كرد”، ولم تتضمن المناهج الدراسية أي إشارة إلى مساهمات الكرد في تاريخ سوريا، بل جُرّد أكثر من 120 ألف كردي من الجنسية السورية عقب التعداد الاستثنائي في الحسكة عام 1962، وهو الإجراء الذي ثبّته الأسد ورفض التراجع عنه طوال ثلاثين عاماً.
الأسد الابن… وعود خاوية وقمع دموي
وحين ورث بشار الأسد السلطة، روج لخطاب “الإصلاح والانفتاح”، لكن سرعان ما سقط القناع عام 2004، حين اندلعت انتفاضة القامشلي عقب مباراة كرة قدم تحولت إلى مجزرة، حيث قتلت قوات الأمن العشرات، واعتقلت المئات، لمجرد أنهم طالبوا بهويتهم وحقوقهم.
بدل الاعتراف، قابلهم النظام بالقمع، وزاد من القيود على اللغة والملكية والتنظيم المدني، ولم يكتفِ بحرمان الأكراد من حقوقهم، بل حاول شيطنتهم سياسياً وتشويه تحركاتهم تحت ذرائع “الانفصال” و”العمالة”، رغم أن مطالبهم لم تخرج عن إطار المواطنة الكاملة.
الشرع… تصحيح التأريخ وإنصاف مستحق
مع وصول الرئيس أحمد الشرع إلى السلطة، بدأ الحديث عن سوريا الجديدة فعلاً، لا شعاراً، ففي خطوة غير مسبوقة، أصدر الشرع المرسوم الجمهوري رقم 13 لعام 2026، الذي ألغى آثار التعداد الجائر، وأعاد الجنسية للمجردين منها، واعترف بالأكراد كمكون وطني أصيل، يملك حقوقه كاملة دون مِنّة أو شروط سياسية.
الخطوة هذه كانت إعلان رسمي بأن الدولة السورية لم تعد أداة قمع، بل دولة مواطنين متساوين، حيث فتح الشرع الباب لدمج الأكراد في مؤسسات الدولة، ورفع القيود عن لغتهم وثقافتهم، مشدداً على أن التعددية ليست تهديداً، بل مصدر قوة.
من التهميش إلى الشراكة الوطنية
ما فعله الأسد كان تغييبا ممنهجاً لصوت كردي أراد أن يكون جزءاً من الوطن، لا خارجه، وما فعله الشرع هو إعادة ذلك الصوت إلى مكانه الطبيعي، ضمن لوحة سوريا الجامعة، لقد تحوّلت المظلومية إلى شراكة، والانكار إلى اعتراف، والعزلة إلى حضور فعّال.
لا سوريا بدون الأكراد… ولا وحدة بلا عدالة
لن تكتمل الدولة السورية طالما بقي أي مكون يعاني من التمييز أو الإقصاء، والأكراد، الذين قدموا تضحيات كبرى في تاريخ هذا الوطن، يستحقون أن يكونوا في قلب مشروعه المستقبلي، ما أعاده الشرع لم يكن منّة، بل هو حق أعاده أهله إلى موقعه، بعد أن صادره نظام مارس القهر طويلاً، وجاء اليوم الذي يُقال فيه: كفى.
بقلم: إيمان زرزور