كشفت شهادات لناجين من سجون قوات سوريا الديمقراطية “قسد” عن ممارسات صادمة، تمثلت في الاعتقال العشوائي، والتعذيب الجسدي والنفسي، والإخفاء القسري، بعيداً عن أعين الإعلام والمجتمع الدولي، ما يعكس نمطاً متكرراً لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
في محيط سجن الأقطان بالرقة، الذي استعادته الدولة السورية مؤخراً، تجمعت عشرات العائلات بحثاً عن مصير أبنائها المفقودين، وظهرت سيدة في مقطع مصور، وهي تنتحب بحرقة، متحدثة عن ابنها الذي اختُطف فجرًا من سريره أثناء عمله لإعالة والدته المصابة بالسرطان، لتعتقله “قسد” بذريعة “التحقيق السريع”، ثم يختفي لعام وشهرين دون أي أثر.
أدى الإفراج الأخير عن دفعة من المعتقلين الأطفال في سجن الأقطان إلى الكشف عن حجم الانتهاكات المرتكبة، إذ تبين أن “قسد” اعتقلت هؤلاء القاصرين بتهم لا تستند إلى أدلة، وزجت بهم في المعتقلات دون محاكمات، ما يؤكد انتهاك حقوق الطفل بشكل ممنهج.
تكررت المشاهد المأساوية لنساء يحملن صور أبنائهن، مطالبات بإجابة واحدة: “هل أبناؤنا أحياء؟”. الاتهامات الجاهزة بالانتماء إلى “داعش” أو “الجيش الحر” كانت كافية لاعتقال مدنيين، بينهم أطفال لم يبلغوا سن الرشد.
وفي شهادة أخرى مؤلمة، تحدثت امرأة عن اختفاء ابنها منذ سبع سنوات، بتهمة التعامل مع “الجيش الحر”، لتنتهي رحلتها بصورة لجثته، وتتساءل: “من التقطها إذا كان مات على يد الجيش الحر؟”.
تتوالى الأدلة التي ترسم صورة واضحة: مداهمات ليلية، واعتقالات دون أوامر قانونية، واحتجاز بلا محاكمات، في ظل غياب ملفات قانونية واضحة، ما يشكل خرقاً صارخاً لأبسط مبادئ العدالة والكرامة الإنسانية.
منذ أن فرضت “قسد” سيطرتها على مناطق واسعة من شمال وشرق سوريا، ورفعت شعارات “الحرية” و”التمثيل الديمقراطي”، سادت آمال بتحقيق نموذج تعددي عادل، لكن الواقع على الأرض، كما تكشفه الشهادات والتقارير، يكشف إدارة أمنية تُجرّم الرأي وتكافئ الولاء، حيث أُعتقل مئات المدنيين دون تهم واضحة، وأُخفي كثيرون قسرياً، لم تُعرف مصائرهم حتى اللحظة.
لم تقتصر الانتهاكات على المكوّن العربي، بل طالت أيضاً مواطنين أكراداً رفضوا الخط السياسي والعسكري لـ”الإدارة الذاتية”، وبات الانتماء الكردي وحده غير كافٍ للحماية، إذا ترافق مع رأي مخالف أو موقف مستقل.
من بين أكثر الانتهاكات خطورة، استمرار “قسد” في تجنيد الأطفال، حيث تم اقتياد فتيات وفتيان إلى معسكرات التدريب، وحرمانهم من التعليم، ليُزجّ بهم في حروب لا تخصهم، ويُحوّل مستقبلهم إلى ساحة صراع شعاراتي.
وكانت وثقت منظمات حقوقية عمليات تهجير قسري واستيلاء على الممتلكات، لا سيما في تل أبيض ورأس العين، حيث حُرم مزارعون من أراضيهم، وشُرّدت عائلات من منازلها، لمجرد أنها لا تنتمي إلى “الهوية السياسية المقبولة” لدى قسد.
بحسب تقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن الانتهاكات المرتكبة من قبل “قسد” تشكل خروقات جسيمة للقانون الدولي الإنساني، وقد ترقى إلى جرائم حرب، خاصة في ما يتعلق باستخدام القناصة ضد مدنيين، واستهداف أحياء سكنية بطائرات مسيّرة، وتفجير بنى تحتية دون مبرر عسكري.