رسم الرئيس أحمد الشرع ملامح التوجهات السياسية والاقتصادية والأمنية لسوريا خلال المرحلة المقبلة، خلال مقابلة مع قناة الجزيرة، مؤكداً أن الدولة تتجه نحو البناء والاستقرار والتنمية، وتسعى إلى استعادة موقعها الطبيعي في المنطقة والعالم، عبر علاقات متوازنة تستند إلى المصالح المشتركة، بالتوازي مع معالجة الملفات الداخلية المتراكمة وترتيبها وفق الأولويات.
انتقد الرئيس الشرع، ، ما تعرضت له المنطقة الشرقية من تهميش خلال عهد نظام الأسد البائد، رغم ما تتمتع به من إمكانات بشرية وثروات نفطية وزراعية، مشيراً إلى أن واقع البنية التحتية فيها يعكس جانباً من ذلك الإهمال، ولا سيما الطريق الواصل بين دمشق ودير الزور.
وبين الرئيس الشرع أن الدولة تسعى لإنشاء طريق جديد يخدم حركة التنقل بين دمشق ودير الزور، في وقت تتواصل فيه التحقيقات لمعرفة أسباب الحادث المروري الأخير على الطريق، لافتاً إلى أن المعطيات والاحتمالات الأولية ترجح أن يكون الحادث عرضياً.
اعتبر في حديثه أن رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا لن يحقق أثره الكامل ما لم يترافق مع إزالة اسم البلاد من قائمة الدول الراعية للإرهاب، بما يسمح باستعادة العلاقات الاقتصادية والتجارية والمالية بصورة طبيعية.
أوضح أن سوريا تمتلك موقعاً استراتيجياً يجعل منها عقدة مهمة للربط التجاري بين دول المنطقة، إلا أن سياسات نظام الأسد البائد على مدى ستة عقود أدت إلى عزلها عن محيطها الإقليمي والدولي، وحرمتها من الاستفادة من موقعها وإمكاناتها.
أكد الشرع أن سوريا بدأت مرحلة تاريخية جديدة، وأن الرسائل التي وجهتها إلى دول العالم قوبلت بإيجابية كبيرة من الولايات المتحدة والدول الأوروبية، في ظل وجود مصالح اقتصادية وتجارية وفرص لتبادل الخبرات يمكن البناء عليها خلال المرحلة المقبلة.
وفي مستهل حديثه، وصف الرئيس الشرع العلاقة بين سوريا وروسيا بالتاريخية والقائمة على مصالح كبيرة، مشيراً إلى أن موسكو سارعت بعد التحولات السورية إلى فتح صفحة جديدة مع دمشق.
وبيّن أن العمل يجري لتصحيح مسار العلاقات الثنائية وإعادتها إلى صورتها الطبيعية، فيما لا تزال المباحثات المتعلقة بمستقبل القواعد الروسية داخل الأراضي السورية مفتوحة ولم تصل إلى نتائج نهائية حتى الآن.
وعن لبنان، كشف الرئيس الشرع عن نقاشات تجري مع الحكومة اللبنانية للوصول إلى حلول تساعد لبنان على تجاوز أزماته والاستفادة من حالة النهضة التي تشهدها سوريا، محذراً في الوقت نفسه من أن أي انفجار داخلي في لبنان ستكون له انعكاسات سلبية مباشرة على سوريا.
شدد على أن استمرار وجود السلاح خارج سلطة الدولة اللبنانية يحمل تداعيات خطيرة على المنطقة، مؤكداً دعم سوريا لاحتكار الدولة اللبنانية تطبيق القانون والسلاح وقرار السلم والحرب.
اتهم الرئيس الشرع، حزب الله بالمشاركة إلى جانب نظام الأسد البائد طوال 14 عاماً في حربه على السوريين، والتسبب بقتل وتهجير أعداد كبيرة منهم، مشيراً إلى أن الحزب لا يزال يحمل السلاح وينتشر على الحدود السورية اللبنانية.
وأكد أن دمشق لا تتجه نحو تدخل عسكري في لبنان، وإنما تسعى إلى تمكين الدولة اللبنانية ومساعدتها على تنفيذ التزاماتها، موضحاً أن سوريا تمتلك أوراقاً عدة يمكن أن تضعها أمام بيروت لتتعامل معها بالطريقة التي تراها مناسبة.
في حين اعتبر أن المنطقة تدفع حالياً ثمن السياسات التي قامت على دعم تشكيل كيانات مسلحة داخل الدول بعيداً عن سلطتها، داعياً إلى حلول واقعية وعملية تراعي استقرار الدول وسيادتها.
وعن الحرب بين إسرائيل وإيران، دعا الرئيس الشرع دول المنطقة إلى امتلاك سياسة مستقلة تعبر عن مصالحها، بعيداً عن حصر خياراتها بين السياسات الإسرائيلية والإيرانية، مؤكداً أن المنطقة يجب أن تمتلك شخصيتها ورؤيتها الخاصة.
أشار إلى أن المنطقة كانت تاريخياً محط أطماع وصراعات، وأن قدرتها على مواجهة المخاطر ترتبط بقوة جبهتها الداخلية، معتبراً أن الأولوية اليوم يجب أن تتركز على إيجاد مقاربات توفر الأمن للشعوب وتمنحها فرصة للنمو والازدهار.
وكشف الرئيس الشرع عن استمرار المساعي للوصول إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، بالتوازي مع إشراك عدد من الدول في جهود الضغط عليها لتبني سياسة أكثر توازناً تجاه سوريا.
وأكد أن دمشق تتجنب الدخول في صدامات مع إسرائيل، انطلاقاً من أن سوريا ليست في مصلحتها خوض صراعات عقيمة، فيما تستمر الجهود الدبلوماسية للوصول إلى حلول سلمية وتقليل الأضرار الناجمة عن التوترات القائمة.
أوضح الرئيس أن الوصول إلى اتفاق أمني لا يزال يواجه عقبات، في ظل استمرار بعض الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية، وإن كانت قد تراجعت مقارنة بالفترة السابقة.
وجدد موقف سوريا المؤيد لإنشاء الدولة الفلسطينية والتزامها بالمسار العربي والاتفاقيات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن دمشق تحاول تجنيب البلاد الانخراط في الصراع الأمريكي الإسرائيلي الإيراني، وتأمل بعدم اتساع نطاقه.
وعن العراق، وصف الرئيس الشرع العلاقات السورية العراقية بأنها جيدة وتشهد تحسناً، لافتاً إلى وجود احتياجات ومصالح اقتصادية كبيرة ومتبادلة بين البلدين ينبغي تنظيمها وبناؤها على أسس صحيحة.
أبدى في المقابل مخاوف سوريا من وجود فصائل عراقية منتشرة قرب الحدود لا تنضبط تحت القانون العراقي نفسه، مؤكداً أن دمشق تتفهم طبيعة الواقع العراقي، وتتعامل بانفتاح مع جميع الأطراف وتقف على مسافة واحدة منها.
في حين حذر من بعض التصورات لدى متصدرين في الحرس الثوري الإيراني تجاه الخليج العربي، مؤكداً أن الاعتقاد بأن منطقة الخليج تمثل خاصرة رخوة لا يستند إلى الواقع.
وأكد الرئيس الشرع أن العلاقات بين سوريا ودول الخليج وصلت إلى مستوى جيد واستراتيجي، مشيراً إلى أن الاستثمارات بدأت بالدخول إلى البلاد، وأن الحكومة حريصة على توفير الظروف التي تضمن نجاح أي استثمار.
كما ربط تحقيق العوائد الاقتصادية بحسن الإدارة، موضحاً أن الدولة تمر بمرحلة معالجة الفراغات والمشكلات المتراكمة، وتسير وفق اتجاه يهدف إلى تحسين الأداء الاقتصادي والمؤسساتي.
وعن الداخل، أوضح الرئيس الشرع أن الدولة لا تستطيع معالجة جميع المشكلات دفعة واحدة، ولذلك تعمل على الموازنة بينها وتحديد الأولويات وفق الاحتياجات والإمكانات.
وشدد على رفض استنساخ نماذج سياسية أو تجارب اقتصادية خارجية بصورة حرفية، مؤكداً أن سوريا تسعى إلى الاستفادة من تجارب الدول واختيار ما ينسجم منها مع طبيعة المجتمع والواقع السوري.
وأكد أن السياسة السورية تقوم على البناء والاستقرار والتنمية، وهي أهداف تتطلب علاقات حسنة مع مختلف الدول ورسائل إيجابية تساعد البلاد على تجاوز آثار المرحلة السابقة.
وفي ملف العدالة، كشف الرئيس الشرع عن استمرار عمل الهيئة المعنية بملف المفقودين، واصفاً الأرقام المرتبطة بهذا الملف بأنها كبيرة وصادمة، في ظل حجم الانتهاكات التي خلفتها السنوات الماضية.
وشدد على أن الدولة تتحمل مسؤولية إنفاذ القانون وتحقيق العدالة والحفاظ على السلم الأهلي، مؤكداً أن معالجة المظالم يجب أن تتم عبر مؤسسات الدولة والقانون.
وتحدث الرئيس الشرع عن وجود بطء في تطبيق الاتفاق المبرم مع “قوات سوريا الديمقراطية – قسد”، مؤكداً في الوقت ذاته أن الدولة لا تزال تراهن على نجاحه واستكمال تنفيذه، في حين اختتم حديثه بالتأكيد على أن سوريا تتجه نحو مرحلة مختلفة تقوم على إعادة بناء الدولة واستعادة علاقاتها ومكانتها، معرباً عن ثقته بأن البلاد ستكون في المستقبل بالصورة التي تليق بتاريخها وحضارتها ومستقبلها.