العروبة – خاص
تواجه زراعة المحاصيل في محافظة حمص تحديات متزايدة نتيجة تراكم تكاليف الإنتاج، بدءاً من تجهيز الأراضي وشراء المستلزمات الزراعية، مروراً بالتسميد والري ومكافحة الآفات، وصولاً إلى القطاف والنقل والتخزين والتسويق، ما يحدّ من العائد المالي الذي يحصل عليه المزارعون ويؤثر في قدرتهم على مواصلة الإنتاج.
وتكشف تجربتا مزارعين في إنتاج التفاح والبطاطا جانباً من هذه الأعباء، في ظل ارتفاع النفقات وتعدد المراحل التي يمر بها المحصول قبل وصوله إلى المستهلك، وما يرافقها من أجور وعمولات تقلّص حصة المنتج من قيمة المبيعات.
التفاح.. نفقات تبدأ قبل الإثمار وتستمر حتى التسويق
أوضح المزارع عبد الله، من قرية المرانة، في تصريح لـ«العروبة»، أن زراعة التفاح تتطلب سلسلة من الأعمال الزراعية المتتابعة، تبدأ بحراثة الأرض وتقليم الأشجار وتسميدها، ثم متابعة مراحل الإزهار وعقد الثمار ومكافحة الأمراض الفطرية والآفات الحشرية، وصولاً إلى القطاف والتسويق.
وبيّن أن تكلفة الأدوية الزراعية للدونم الواحد تتراوح بين 10 آلاف و15 ألف ليرة سورية جديدة، فيما تتراوح تكاليف التسميد ضمن الحدود نفسها، وتبلغ أجور القطاف بين 5 آلاف و10 آلاف ليرة، تضاف إليها أجور العمال وتكاليف الأعمال الزراعية الأخرى.
وأشار إلى أن النفقات تستمر بعد جني المحصول، إذ قد تصل تكلفة نقل التفاح إلى سوق دمشق إلى 16 ألف ليرة جديدة، إلى جانب تكاليف التوضيب والتعبئة والعمولات المفروضة عند البيع.
وأكد أن تعدد هذه المصاريف يقلّص العائد النهائي للمزارع، حتى عندما يتمكن من تسويق إنتاجه وبيع المحصول.
مئة صندوق تفاح.. عائد يتراجع أمام العمولات
قدّم الفلاح مثالاً على حجم الفجوة بين قيمة المبيعات والمبالغ التي يحصل عليها المزارع، موضحاً أن إنتاج نحو مئة صندوق من الأشجار متوسطة الإثمار قد يحقق مبيعات تتراوح بين 80 ألفاً و100 ألف ليرة سورية جديدة.
وأضاف أن عمولة السوق قد تصل، وفق تقديراته، إلى نحو 30 ألف ليرة، ما يخفض المبلغ المتبقي للمزارع إلى ما بين 50 ألفاً و70 ألف ليرة، قبل احتساب تكاليف الإنتاج والعناية بالأشجار والقطاف والنقل وغيرها من النفقات.
وبيّن أن هذه الأرقام تعكس حجم الأعباء التي يتحملها المنتج خلال الموسم، في مقابل عائد قد لا يتناسب مع الجهد المبذول والتكاليف المدفوعة.
مخاوف من الأدوية الزراعية غير الموثوقة
لفت إلى مشكلة تداول أدوية زراعية غير موثوقة، وما قد يترتب على استخدامها من خسائر للمزارعين في حال عدم مطابقتها للمواصفات أو ضعف فعاليتها في مكافحة الأمراض والآفات.
وأكد أهمية تشديد الرقابة على جودة المستحضرات الزراعية المتداولة في الأسواق، والتحقق من فعاليتها ومطابقتها للمواصفات المعتمدة، بما يحمي المحاصيل ويحدّ من الخسائر المحتملة.
وتبرز هذه المشكلة ضمن التحديات المرتبطة بتكاليف الإنتاج، إذ يتحمل المزارع نفقات شراء الأدوية ومستلزمات المكافحة، فيما قد يؤدي استخدام مستحضرات غير فعالة إلى زيادة الأعباء دون تحقيق النتائج المطلوبة.
البطاطا.. تكاليف متراكمة وأرباح محدودة
من جهته، أكد المزارع نوري، من مدينة القصير، في تصريح لـ«العروبة»، أن الأرباح المحققة من زراعة البطاطا تبقى محدودة مقارنة بحجم النفقات التي يتحملها المزارع منذ بداية الموسم وحتى تسويق المحصول.
وأوضح أن التكاليف تبدأ بحراثة الأرض وتجهيزها وشراء البذار، ثم تتواصل مع أعمال الري والتسميد ومكافحة الآفات وأجور اليد العاملة.
وأضاف أن مرحلة جني المحصول تفرض نفقات إضافية تشمل القلع والفرز والنقل إلى الأسواق، فيما قد يتحمل المزارع تكاليف التخزين في البرادات إذا قرر تأجيل البيع أملاً بالحصول على سعر أفضل.
وأشار إلى أن تراكم هذه النفقات يحدّ من الأرباح، خصوصاً عندما لا تتناسب أسعار البيع مع تكاليف الإنتاج، أو عندما يضطر المزارع إلى تحمل مصاريف إضافية للنقل والتخزين.
وأكد أن المردود المالي النهائي يرتبط بحجم النفقات التي دُفعت خلال الموسم، والسعر الذي يتمكن المزارع من بيع محصوله وفقه.
من المزارع إلى المستهلك.. أين تذهب قيمة المحصول؟
تكشف تجربتا المزارعين أن ارتفاع أسعار المنتجات الزراعية في الأسواق لا يعني بالضرورة تحقيق المزارعين أرباحاً مرتفعة، إذ تتوزع قيمة المبيعات على مراحل متعددة قبل وصول المحصول إلى المستهلك.
وتشمل هذه المراحل تكاليف تجهيز الأرض والبذار والأسمدة والأدوية الزراعية والري والعمالة والقطاف، إضافة إلى التوضيب والنقل والتخزين والعمولات المرتبطة بالتسويق.
وتؤدي هذه النفقات مجتمعة إلى تقليص حصة المزارع من السعر النهائي، ما يفسر جانباً من الفجوة بين قيمة المنتج في السوق والعائد الذي يحصل عليه منتجه.
كما أن اختلاف تكاليف الإنتاج والتسويق بين محصول وآخر يجعل تقدير الأرباح مرتبطاً بطبيعة الزراعة وحجم الإنتاج والظروف التي يجري فيها البيع.
الحاجة إلى تحسين ظروف الإنتاج والتسويق
تسلط شهادات المزارعين الضوء على أهمية معالجة التحديات التي تواجه الإنتاج الزراعي، ولا سيما ارتفاع أسعار المستلزمات وتكاليف النقل والتخزين والعمولات، إلى جانب ضرورة الرقابة على جودة الأدوية الزراعية.
وتبرز الحاجة إلى تحسين ظروف التسويق والحد من الأعباء غير المبررة التي يتحملها المنتجون، بما يساعد على تحقيق عائد يتناسب مع تكاليف الإنتاج والجهد المبذول طوال الموسم.
كما يشكل تحقيق التوازن بين مصلحة المزارع وقدرة المستهلك الشرائية جانباً أساسياً من استقرار الأسواق الزراعية، في ظل ارتباط الأسعار بسلسلة طويلة من التكاليف تبدأ من الحقل وتنتهي عند البيع.
وتؤكد تجربتا زراعة التفاح والبطاطا في حمص أن استمرار الإنتاج الزراعي يرتبط بقدرة المزارعين على تغطية نفقاتهم وتحقيق مردود مناسب، ما يستدعي الاهتمام بتكاليف مستلزمات الإنتاج وآليات التسويق، وصولاً إلى ظروف أكثر إنصافاً للمنتج وأسعار مناسبة للمستهلك.