حين فرّقت الحرب جيران العمر.. ذاكرة الحارات الحمصية تبحث عن وجوهها الغائبة

العروبة – خاص

احتفظت الحارات الحمصية القديمة بذاكرة اجتماعية غنية بالعلاقات الإنسانية التي جمعت الجيران على المودة والتكافل والمشاركة في تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تغيّر الحرب ملامح كثير من تلك الحارات، وتتسبب بتشتت عائلاتها بين النزوح والسفر، وتترك خلفها بيوتاً متضررة ووجوهاً غائبة وذكريات يصعب نسيانها.

وشكّلت الجيرة في تلك الأحياء امتداداً للعلاقات الأسرية، إذ اعتاد السكان تبادل الزيارات والطعام، ومشاركة الأفراح والأحزان، وتفقد الغائبين ومساندة المحتاجين، في بيئة اجتماعية كان فيها الجار قريباً من تفاصيل حياة جيرانه.

ومع سنوات الحرب، فقدت حارات كثيرة جانباً من هذا الترابط نتيجة تضرر المنازل ومغادرة سكانها، فيما تحولت علاقات يومية امتدت لعقود إلى اتصالات متقطعة ورسائل عبر الهواتف، وانقطعت أخبار بعض الجيران الذين فرّقتهم الظروف.

بيوت مفتوحة وعلاقات تتجاوز حدود الجيرة

استعادت السيدة نهاد في حديثها لـ«العروبة» ذكريات الحياة في الحارات الحمصية القديمة، مشيرة إلى أن العلاقات بين الجيران كانت تقوم على الألفة والمشاركة اليومية والاهتمام المتبادل.

وقالت: «كانت أبواب البيوت مفتوحة، والجارة تعرف أحوال جارتها وتسأل عنها إذا غابت، وتبادر إلى مساعدتها إذا احتاجت شيئاً، ولم يكن تبادل الطعام يحتاج إلى مناسبة، فقد كانت كل جارة ترسل مما أعدّته إلى البيت المجاور، وتتلقى المعاملة نفسها».

وأضافت أن سكان الحارة كانوا يشعرون بأنهم أسرة واحدة، وأن أبناء الجيران يحظون بالاهتمام والرعاية كما لو كانوا أبناءهم.

وأوضحت أن الأطفال اعتادوا اللعب في الحارة تحت أنظار الجيران، فيما كانت النساء يتبادلن الأحاديث والزيارات، وتجمع المناسبات السعيدة والحزينة العائلات، حتى أصبح السؤال عن الغائب والاطمئنان على المريض جزءاً من العادات اليومية.

الحرب تفرّق الجيران وتغيّر ملامح الحارات

أشارت نهاد إلى أن الحرب أحدثت تحولاً كبيراً في الحياة الاجتماعية داخل الحارات، بعدما تضررت أبنية ومنازل، واضطرت عائلات إلى مغادرة مناطق سكنها، سواء إلى خارج البلاد أو إلى أحياء ومناطق أخرى.

وقالت: «أكثر ما يؤلمنا أن أشخاصاً كانوا جزءاً من حياتنا اليومية لم نعد نراهم، وبعضهم لا نعرف أين أصبحوا أو كيف يعيشون اليوم، فقد كنا نلتقي كل يوم تقريباً ونعرف أخبار بعضنا، أما الآن فقد تمر سنوات دون أن نلتقي».

وبيّنت أن التغير لم يقتصر على غياب السكان، إذ فقدت الحارات بعض معالمها المألوفة، وتضررت أو دُمرت بيوت احتضنت سنوات طويلة من الذكريات واللقاءات العائلية.

ولفتت إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت أحياناً الوسيلة الوحيدة للاطمئنان على الجيران الذين ما زالت أخبارهم معروفة، لكنها لا تعوض اللقاءات المباشرة والزيارات التي كانت تمنح العلاقات دفئها وقربها.

من فنجان القهوة الصباحي إلى رسائل الاطمئنان

استحضرت السيدة اعتدال تفاصيل الحياة التي جمعت العائلات في الحارات القديمة، مؤكدة أن الجيرة كانت تقوم على المشاركة في المناسبات والتواصل المستمر، حتى في أبسط تفاصيل اليوم.

وقالت: «كان للجار مكانة خاصة، ففي الأعياد والمناسبات نتبادل الزيارات والتهاني، وفي الأيام العادية نتفقد بعضنا، ولا ننسى جلسات فنجان القهوة الصباحي، وإذا مرض أحد أو مرت أسرته بظرف صعب، كان يجد جيرانه إلى جانبه دون الحاجة إلى شرح طويل».

وأوضحت أن هذه العلاقات منحت الأسر شعوراً بالأمان والانتماء، وجعلت كل عائلة محاطة بأشخاص يشاركونها أفراحها وأحزانها ويهتمون بأحوالها.

وأشارت إلى أن الحرب تسببت بتشتت كثير من الجيران، وانقطاع علاقات امتدت لسنوات، بعدما توزعت العائلات في مناطق مختلفة، فيما فقد بعض السكان أخبار أصدقاء وجيران لم يعد ممكناً الوصول إليهم أو معرفة مصيرهم.

وأضافت أن التواصل مع من بقيت الصلة بهم أصبح يقتصر في أحيان كثيرة على مكالمة هاتفية أو رسالة للتهنئة والاطمئنان، وهي وسائل تحافظ على جانب من العلاقة، لكنها تفتقد دفء الجلسات واللقاءات التي كانت تجمع الجيران في المناسبات والأيام العادية.

وأكدت أن قيمة الجيرة كانت تتجاوز المساعدة المادية، لتشمل الاهتمام المتبادل والشعور بوجود أشخاص يساندون الأسرة ويشاركونها تفاصيل حياتها.

وجوه غابت وذكريات بقيت

تحدثت السيدة نها عن التغيرات التي أصابت الحارات الحمصية القديمة، مشيرة إلى أن غياب الجيران وتضرر المنازل أفقدا تلك الأحياء جانباً من بيئتها الاجتماعية التي اعتاد السكان العيش فيها.

وقالت: «في الماضي كنا نعرف الجيران واحداً واحداً، ونعرف أبناءهم وأحوالهم، وكانت الزيارات والسؤال عن بعضنا أمراً طبيعياً، أما اليوم فقد تغيرت ملامح الحي، وبعض البيوت التي عشنا فيها أجمل الذكريات لم تعد موجودة كما كانت».

وأضافت أن جيراناً كثيرين تفرقوا بين السفر والنزوح، فيما انقطعت أخبار آخرين تماماً، وأصبح تذكر أسمائهم ووجوههم يثير التساؤلات حول أماكن وجودهم وأحوالهم.

وأوضحت أن بعض العلاقات استمرت بفضل وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها أصبحت محصورة باتصالات متباعدة ورسائل متقطعة، وقد تمر الأعياد والمناسبات دون أن يتمكن الجيران القدامى من الاجتماع.

وأكدت أن أكثر ما يؤلمها هو غياب أشخاص كانوا جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، مشيرة إلى أن استعادة روح الجيرة تبدأ بالسؤال عن الغائبين ومحاولة إعادة وصل العلاقات التي قطعتها الحرب والمسافات.

الجيرة قيمة إنسانية تتجاوز المكان

تكشف شهادات نهاد واعتدال ونها عن جانب من التحولات الاجتماعية التي شهدتها الحارات الحمصية خلال سنوات الحرب، بعدما تفرقت عائلات كانت تجمعها علاقات يومية وثيقة، وتغيرت ملامح الأحياء التي احتضنت ذكرياتها.

فقد امتدت آثار الحرب إلى الروابط الاجتماعية، مع غياب وجوه اعتاد السكان لقاءها، وتراجع الزيارات المباشرة، وتحول بعض العلاقات إلى أسماء وصور ورسائل محفوظة في الهواتف، فيما بقيت أخبار آخرين مجهولة.

ورغم هذه التغيرات، ما زالت الجيرة تحتفظ بمكانتها في ذاكرة من عاشوا تلك الأيام، بوصفها علاقة تقوم على المودة والثقة والتكافل والاهتمام المتبادل واحترام الخصوصية.

وتبرز أهمية الحفاظ على هذه الروابط من خلال التواصل مع الجيران القدامى، والسؤال عن الغائبين، ومحاولة إعادة العلاقات التي فرّقتها ظروف الحرب، إلى جانب تعزيز قيم التعاون والتكافل بين سكان الأحياء.

وتبقى الحارات الحمصية القديمة حاضرة في ذاكرة أهلها بما احتضنته من حكايات ومواقف إنسانية، فحتى مع تغير الأبنية وغياب كثير من الوجوه، تستمر الذكريات شاهدة على زمن كانت فيه الجيرة علاقة وثيقة جعلت من الحارة عائلة كبيرة، يتشارك أفرادها تفاصيل الحياة ويجدون في بعضهم الألفة والسند.

المزيد...
آخر الأخبار