الكشك السوري… حكاية شتاء تحفظها أنامل النساء الريفيات

تحت شمس تموز الحارقة، تقف السيدة موزة على شرفة منزلها في ريف حمص، تنشر حبات الكشك واحدة تلو الأخرى لتجف تحت أشعة الشمس. وبينما تتابع عملها بابتسامة هادئة، تقول: “كنا نعرف الكشك من رائحته ومن ملمسه، والمرأة التي اعتادت صناعته تعرف متى يصبح جاهزاً”. مشهد يتكرر كل صيف في القرى السورية، حيث لا تزال النساء يحافظن على تقاليد إعداد الكشك، أحد أبرز مكونات مؤونة الشتاء.

ومع بداية الصيف، تبدأ رحلة إعداد الكشك في البيوت الريفية، بوصفه واحداً من أبرز أصناف المؤونة التي لا تغيب عن المخازن المنزلية. ولا تقتصر أهميته على قيمته الغذائية، بل يتجاوز ذلك ليشكل جزءاً من الموروث الشعبي، بما يحمله من ذاكرة الأمهات والجدات، وقيم التعاون والصبر والارتباط بالأرض.

في صباح ريفي هادئ، التقت “العروبة” السيدة موزة أثناء متابعتها مراحل تجفيف الكشك، حيث روت تفاصيل هذه الحرفة التي توارثتها النساء جيلاً بعد جيل. وأوضحت أن البداية تكون بتحضير اللبن والبرغل، مع اختيار أجود المكونات، ثم مزجهما وترك الخليط عدة أيام حتى يتخمر ويكتسب نكهته الخاصة، وهي مرحلة تعتمد على الخبرة أكثر مما تعتمد على القياس الدقيق.

وتضيف: “لم يكن الأمر مجرد إعداد طعام، بل عملاً يحتاج إلى الصبر، ولكل مرحلة وقتها”. وبعد اكتمال التخمير، تبدأ النساء بتشكيل الكشك إلى حبات متقاربة الحجم، في جلسات تجمع الأمهات والجدات والفتيات، حيث تمتزج الأحاديث بالعمل، وتتعلّم الصغيرات أسرار هذه الصناعة المتوارثة.

ثم تأتي مرحلة التجفيف، وهي الأكثر ارتباطاً بذاكرة الريف، إذ تُفرش الحبات على أقمشة نظيفة أو صوانٍ واسعة في أماكن مشمسة، وتُترك حتى تجف تماماً. وكانت أسطح المنازل وساحاتها تتحول في تلك الأيام إلى مشهد مألوف، تصطف فيه حبات الكشك البيضاء تحت الشمس، فيما تحرص النساء على تقليبها باستمرار، لضمان جفافها بصورة متساوية.

وتقول موزة: “كنا نشعر أن الشمس تكمل عمل أيدينا، وكنا ننتظر الأيام المشمسة حتى يجهز الكشك، وعندما نخزنه في الجرار، نشعر بالطمأنينة لأن مؤونة الشتاء أصبحت جاهزة”. وتشير إلى أن الكشك لا يزال حاضراً في كثير من البيوت خلال فصل الشتاء، سواء على شكل حساء دافئ، أو ضمن وصفات شعبية ارتبطت بالمطبخ الريفي.

وترى موزة أن الحفاظ على هذه الصناعة يمثل حفاظاً على جزء من الهوية الثقافية، وتقول: “نحن لا نصنع الكشك فقط لحاجتنا إليه، بل لأننا نريد أن تبقى عادات أمهاتنا حاضرة بيننا. وعندما أعلّم بناتي طريقة صنعه، أشعر بأنني أنقل إليهن جزءاً من تاريخنا وحياتنا”.

ويحمل الكشك في ريف حمص قيمة تتجاوز كونه مؤونة غذائية؛ فهو يعكس نمط حياة قائماً على التعاون بين أفراد المجتمع. ففي كل مرحلة من مراحل إعداده حكاية: أم تعلّم ابنتها، وجارة تساعد جارتها، وعائلة تجتمع حول عمل جماعي بسيط، لكنه عميق المعنى. وهكذا يبقى الكشك واحداً من الموروثات الشعبية التي ما زالت حاضرة في الذاكرة الريفية، وتحملها أنامل النساء من جيل إلى آخر.
العروبة – بشرى عنقة

المزيد...
آخر الأخبار
وزير الإعلام السوري يشارك في منتدى TRT World Forum بإسطنبول لمناقشة التحولات الدولية والتحديات العال... مزارعو حمص بين ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف العائد.. أين تذهب أرباح المحاصيل؟ وزارة النقل: 2.2 مليون طن حركة الشحن في تشرين الأول و60 نقطة لمراقبة الحمولات بين ورش العمل وبسطات البيع ورعاية الإخوة.. أطفال يحملون أعباء تفوق أعمارهم حين فرّقت الحرب جيران العمر.. ذاكرة الحارات الحمصية تبحث عن وجوهها الغائبة حكايات عاطفية ومظاهر مترفة.. هل تعكس المسلسلات المعربة حياة المشاهدين؟ المركزي السوري ينظم العمولات والرسوم المصرفية.. حظر رسوم توطين الرواتب والاشتراكات التلقائية النشرة الرياضية: فوز نادي خالد بن الوليد في دوري الدرجة الأولى ومشاركة سورية مرتقبة في شطرنج آسيا أمام مجلس الاتحاد الأوروبي.. سوريا تطرح رؤية للتعاون الأمني والتمويل التنموي وعودة اللاجئين اقتصاد العروبة: ارتفاع الذهب واستقرار الصرف وتحركات لتنظيم النشاط التجاري في حمص