جدارية “ما عندي أعز من حمص إلا حمص”… ذاكرة مدينة تختصر حكاية أهلها

في مشهد يجمع بين الفن والذاكرة والهوية المحلية، اكتملت أعمال تنفيذ الجدارية التي حملت العبارة الشهيرة: “ما عندي أعز من حمص إلا حمص”، وذلك في أول شارع الخراب بمدينة حمص، لتشكّل عملاً فنياً يستحضر حكاية المدينة وأهلها، ويجسّد ارتباط الحماصنة بمدينتهم رغم سنوات الفراق والتهجير والاغتراب.

وبحسب مديرية إعلام حمص في تصريح لـ”العروبة”، أن فكرة الجدارية جاءت ضمن توجه شامل يهدف إلى ترسيخ الهوية المحلية والوطنية للمدينة، بما تحمله من تاريخ عريق ومحطات مفصلية، ومن بينها ما وصفته المديرية بالهوية الثورية البارزة لحمص بوصفها عاصمة الثورة السورية.

وأوضحت المديرية أن ترسيخ الهوية لا يقتصر على إحياء ذكرى الشهداء، بل يمكن أن يتحقق أيضاً من خلال فكرة أو عبارة تختصر مرحلة كاملة من تاريخ المدينة وتجارب أهلها، وتحمل في مضمونها مشاعر وذاكرة جماعية لأبنائها.

وتستند الجدارية إلى قصة أبو عادل، الرجل الستيني وابن حمص القديمة، الذي نشأ وترعرع في أزقة حي “صليبة العصياتي”، وفقد ابنه خلال حصار حمص، قبل أن يُهجر مع عائلته إلى الشمال السوري برفقة المهجّرين من المدينة على يد النظام الباىد .

وفي إحدى المقابلات التلفزيونية التي أُجريت معه عقب صلاة العيد في إدلب عام 2020، سُئل أبو عادل عن المكان الذي كان يفضّل قضاء العيد فيه، فأجاب بشكل عفوي قبل اكتمال السؤال: “بحمص.. بحمص”، ثم أردف عبارته التي بقيت حاضرة في ذاكرة الحماصنة: “ما في عندي أعز من حمص إلا حمص”.

وحملت هذه الجملة البسيطة والعفوية في مضمونها سنوات طويلة من الحنين والصمود والمعاناة، لتعبّر عن حالة آلاف من أبناء حمص الذين اضطرتهم الظروف إلى التهجير أو الاغتراب، إذ بقيت المدينة حاضرة في وجدانهم أينما حلّوا ومهما ابتعدت المسافات.

وتوفي أبو عادل عام 2022، قبل أن يشهد عودة  أبناء حمص إلى مدينتهم لعد التحرير، إلا أن عبارته بقيت حاضرة بوصفها رمزاً لحالة إنسانية عاشها كثير من أبناء المدينة.

ومن هنا جاءت فكرة تخليد هذه العبارة ضمن جدارية تحيي ذكرى أبي عادل بوصفه حالة إنسانية عامة، وليس كشخص فقط، إذ إن قلة قليلة تعرف هويته الحقيقية، بينما يعرفه الكثيرون من خلال كلماته التي اختزلت مشاعر كل حمصي اضطر إلى الرحيل أو الاغتراب.

وتأتي الجدارية كتعبير فني عن التغريبة الحمصية الطويلة التي حملت مئات آلاف القصص والحكايات لأبناء المدينة المهجّرين والمغتربين والمنفيين، كما تجسّد ارتباط الإنسان بمكانه وذاكرته مهما طال الغياب.

ونُفذت الجدارية  بتبرّع خاص، وبمشاركة مجموعة من الشباب من المهندسين والمهندسات والمصممين والحرفيين، حيث شكّلت نتاج عمل جماعي امتد لأكثر من عام، وشمل مراحل التصميم الفني والمعماري والإنشائي، وصولاً إلى إنجاز هذا العمل في موقعه الحالي.

وتضمّنت الجدارية سبع قناطر ترمز إلى أبواب حمص السبعة، فيما احتوت اللوحة على مجموعة من معالم المدينة بأسلوب فني تجريدي، من بينها جامع خالد بن الوليد، وكنيسة سيدة السلام، وقصر مفيد الأمين، ودار الأوبرا، ومآذن حمص القديمة المربعة، إضافة إلى الساعة القديمة والساعة الجديدة باعتبارهما من أبرز رموز المدينة.

كما حملت الألوان المحيطة بالجدارية دلالات مرتبطة بجغرافية حمص وذاكرتها؛ إذ يرمز اللون الأزرق إلى نهر العاصي، والأخضر إلى بساتين وغابات ريف حمص وبساتينها، فيما يرمز اللون الرملي إلى رمال تدمر والبادية، في لوحة تجمع بين المكان والتاريخ والإنسان.

وبذلك لا تمثل جدارية “ما عندي أعز من حمص إلا حمص” مجرد عمل فني في أحد شوارع المدينة، بل تحوّلت إلى مساحة بصرية تختصر ذاكرة حمص وأهلها، وتروي حكاية الانتماء لمدينة بقيت حاضرة في قلوب أبنائها مهما تغيّرت الظروف وطالت المسافات.
العروبة – هيا العلي

المزيد...
آخر الأخبار
وزير الإعلام السوري يشارك في منتدى TRT World Forum بإسطنبول لمناقشة التحولات الدولية والتحديات العال... مزارعو حمص بين ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف العائد.. أين تذهب أرباح المحاصيل؟ وزارة النقل: 2.2 مليون طن حركة الشحن في تشرين الأول و60 نقطة لمراقبة الحمولات بين ورش العمل وبسطات البيع ورعاية الإخوة.. أطفال يحملون أعباء تفوق أعمارهم حين فرّقت الحرب جيران العمر.. ذاكرة الحارات الحمصية تبحث عن وجوهها الغائبة حكايات عاطفية ومظاهر مترفة.. هل تعكس المسلسلات المعربة حياة المشاهدين؟ المركزي السوري ينظم العمولات والرسوم المصرفية.. حظر رسوم توطين الرواتب والاشتراكات التلقائية النشرة الرياضية: فوز نادي خالد بن الوليد في دوري الدرجة الأولى ومشاركة سورية مرتقبة في شطرنج آسيا أمام مجلس الاتحاد الأوروبي.. سوريا تطرح رؤية للتعاون الأمني والتمويل التنموي وعودة اللاجئين اقتصاد العروبة: ارتفاع الذهب واستقرار الصرف وتحركات لتنظيم النشاط التجاري في حمص