لم تعد مشكلة مياه الشرب في محافظة حمص مقتصرة على منطقة بعينها، بل امتدت لتشمل عدداً من قرى الريف وأحياء المدينة، في ظل تراجع الموارد المائية، وارتفاع الطلب على المياه، وتضرر أجزاء من شبكات التوزيع، ما انعكس على برامج الضخ وأدى إلى تفاوت وصول المياه بين منطقة وأخرى.
وفي وقت يشتكي فيه الأهالي من تأخر وصول المياه وضعف الضخ وعدم انتظام برامج التزويد، تؤكد المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي استمرار تنفيذ مشاريع تهدف إلى تعزيز الموارد المائية وتحسين واقع الخدمة، بما يتناسب مع الإمكانات المتاحة.
في هذا الملف، ترصد “العروبة” واقع مياه الشرب في مدينة حمص وعدد من مناطق المحافظة، وتنقل أبرز شكاوى الأهالي، وتتابع أسباب الأزمة والإجراءات التي تعمل المؤسسة على تنفيذها لتحسين واقع التزويد.
ريف حمص… شكاوى تتكرر وتحديات تتباين
تتصدر مشكلة مياه الشرب قائمة المطالب الخدمية في عدد من قرى ريف حمص، إلا أن أسبابها تختلف من منطقة إلى أخرى، بين محدودية مصادر المياه، وتضرر الشبكات، والحاجة إلى إعادة تأهيلها أو توسعتها.
ففي قرية الهرقل، يؤكد الأهالي أن المياه لا تصل إلى منازلهم سوى مرة واحدة شهرياً، إذ يعتمد التجمع على بئرين، إحداهما خارج الخدمة، فيما تغذي البئر الأخرى قرى الهرقل وحداثة وجرنايا وبحرايا، ما يحد من كميات المياه المتاحة لكل قرية.
ويشير السكان إلى أن مدة الضخ لا تتجاوز ست ساعات، وهي غير كافية لتلبية احتياجاتهم، فضلاً عن ضعف الضغط الذي يحول دون وصول المياه إلى عدد من المنازل، مطالبين بإعادة تشغيل البئر المتوقفة عبر منظومة طاقة شمسية.
وفي قرية زميمير التابعة لبلدية غرناطة بمنطقة الرستن، يؤكد الأهالي أن تركيب منظومة طاقة شمسية للبئر المغذية لم ينهِ مشكلة المياه، إذ ما تزال تحديات التوزيع وتأخر وصول المياه إلى المنازل قائمة.
أما في قرية أم القصب التابعة لبلدية قزحل، والواقعة إدارياً ضمن مدينة حمص، فيرى الأهالي أن شبكة المياه الحالية لم تعد قادرة على تلبية احتياجات السكان بعد التوسع السكاني الذي شهدته القرية، رغم اعتمادها على بئر تقع جنوبها بنحو كيلومترين، مؤكدين الحاجة إلى توسعة الشبكة وحفر بئر إضافية لتعزيز المورد المائي.
وفي عدد من القرى الأخرى، ما تزال آثار الحرب تلقي بظلالها على واقع المياه. ففي قرية مغيزيل التابعة لبلدية المسعودية في الريف الشرقي، والواقعة على بعد نحو 95 كيلومتراً من مركز مدينة حمص، يعاني السكان صعوبة في تأمين مياه الشرب نتيجة تضرر شبكة المياه والبنية التحتية خلال سنوات الحرب.
ولا يختلف الواقع في قرية رسم الطويل التابعة لبلدية مكسر الحصان، إذ واجه الأهالي بعد عودتهم إلى القرية شبكة مياه مدمرة، ما اضطرهم إلى تأمين احتياجاتهم بوسائل خاصة.
وفي قرية كمام التابعة لبلدية البويضة الشرقية، تعرض الخزان الرئيسي للتدمير، بينما توجد داخل القرية بئر صالحة للاستثمار، إلا أنها تحتاج إلى تجهيزات فنية قبل وضعها في الخدمة، الأمر الذي أبقى مشكلة نقص المياه قائمة، في حين يعاني تجمع أم الصخر التابع للبلدية نفسها من نقص مستمر في مياه الشرب.
أما في قرية النهريّة التابعة لمنطقة القصير، فلا توجد شبكة عامة لمياه الشرب، ويعتمد السكان على الآبار الجوفية، إلا أن بعض هذه الآبار تأثر بتدهور الواقع البيئي في المنطقة، ما انعكس على تأمين المياه.
وفي قرية القبو، يشتكي الأهالي من ضعف الضخ وانقطاع المياه لفترات تتراوح بين سبعة وعشرة أيام في بعض الحارات، مؤكدين أن الكميات التي تصل لا تكفي حتى موعد الضخ التالي، ما يضطر كثيراً منهم إلى شراء المياه من الصهاريج لتلبية احتياجاتهم.
وتشير شكاوى الأهالي في هذه القرى إلى أن أسباب نقص المياه تتنوع بين تضرر شبكات المياه خلال سنوات الحرب، وتقادم أجزاء منها، والحاجة إلى إعادة تأهيلها وتوسعتها، إضافة إلى محدودية بعض مصادر المياه، فضلاً عن تأثير انقطاع الكهرباء.
أحياء المدينة… ضعف الضخ وارتفاع كلفة البدائل
لا يختلف واقع المياه في مدينة حمص كثيراً عن بعض مناطق الريف، إذ تتكرر شكاوى السكان من ضعف الضخ وتأخر وصول المياه وعدم انتظام برامج التزويد، الأمر الذي ينعكس على قدرتهم في تأمين احتياجاتهم اليومية، ولا سيما في المناطق المرتفعة والأبنية الطابقية.
ففي حي وادي الذهب، اضطر عدد من الأهالي إلى شراء المياه من الصهاريج نتيجة ضعف التزويد، بينما يشكو سكان تفرعات شارع الخضري من ضعف شديد في الضخ، كما يعاني سكان حي النزهة، ولا سيما في الشارع المؤدي إلى مشفى كرم اللوز، من تأخر وصول المياه وضعف كمياتها.
وفي حي المهاجرين، يشير الأهالي إلى أن المياه تصل في كثير من الأحيان بعد منتصف الليل، ما يضطرهم إلى السهر لساعات طويلة بانتظار الضخ، خاصة عند انقطاع التيار الكهربائي، الذي يزيد من صعوبة تعبئة خزانات المياه.
وتبرز المعاناة بصورة أكبر في حي البياضة، حيث يؤكد الأهالي أن أزمة المياه تعد من أبرز التحديات الخدمية في الحي، مع انقطاع المياه بشكل كامل عن مناطق واسعة، ما يدفع السكان إلى شراء صهاريج مياه تتراوح تكلفة تعبئة الخزان الواحد منها بين 70 و80 ألف ليرة سورية.
وتتركز الشكاوى في حي الشراكس، وتفرعات شارع الزير، وشارع الساروت من الجهة الجنوبية والشوارع الموازية له باتجاه دوار البياضة، إضافة إلى شارع الماظة خليل. ورغم اعتماد برنامج تزويد يقوم على 24 ساعة ضخ مقابل 24 ساعة توقف، يؤكد الأهالي أن المياه تصل بضغط ضعيف أو تنقطع عن عدد من المناطق، ولا سيما محيط جامع زيد بن ثابت، ومحيط جامع السبسبي، وحارة التيسير.
وفي حي الحميدية، يوضح الأهالي أن واقع المياه شهد تحسناً نسبياً مقارنة بالسنوات الماضية، إلا أن المشكلة ما تزال قائمة في بعض الشوارع، وخاصة المناطق المرتفعة، حيث لا تصل المياه إلا في ساعات متأخرة من النهار. كما يزيد انقطاع التيار الكهربائي من صعوبة تعبئة الخزانات، ولا سيما في شارع السمط بن الأسود.
ويشير عدد من السكان إلى مراجعتهم المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي لمعالجة أعطال “السكورة” أو دراسة تركيب مضخة على الخط الصاعد، إلا أن المشكلة ما تزال قائمة، مؤكدين أن إحدى الدخلات القريبة من شارع المأمون لا تصلها المياه حتى نهاية فترة الضخ، إضافة إلى عدم استقرار مواعيد التزويد، ما يضطرهم إلى الانتظار لساعات طويلة دون جدوى.
وفي بستان الديوان، تتكرر المشكلة في المنطقة المرتفعة التابعة إدارياً لحي باب الدريب، حيث يؤكد السكان استمرار ضعف وصول المياه إلى منازلهم رغم قربها الجغرافي من حي الحميدية.
كما يعاني سكان أحياء المريجة، والعباسية، وكرم الشامي، والإنشاءات، وبابا عمرو ضعف الضخ وتأخر وصول المياه، إلى جانب تعارض مواعيد الضخ مع ساعات وصل التيار الكهربائي، الأمر الذي يحد من قدرة كثير من الأسر على تعبئة خزاناتها خلال فترة التزويد.
وفي حي المحطة، يشكو السكان من ضعف وصول المياه، ولا سيما إلى الشقق في الطوابق العليا، ما يضطرهم إلى الانتظار لساعات طويلة أو الاعتماد على وسائل بديلة لتأمين احتياجاتهم.
ويشير عدد من الأهالي في أحياء مختلفة إلى تفاوت ساعات الضخ بين منطقة وأخرى، إذ تستفيد بعض المناطق من التزويد لمدة تصل إلى نحو 12 ساعة، بينما تحصل مناطق أخرى على ساعات ضخ أقل، وهو ما ينعكس على كميات المياه الواصلة إلى المنازل.
المؤسسة: تراجع الموارد وارتفاع الطلب وراء تحديات التزويد
أمام الشكاوى المتكررة، توضح المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي في حمص أن واقع التزويد يتأثر بعدة عوامل، في مقدمتها محدودية الموارد المائية، وارتفاع الطلب، والضغط المتزايد على شبكات المياه.
وأوضح مدير المؤسسة، المهندس عبد الهادي عودة، لـ”العروبة”، أن بعض المناطق، ومنها القرى التي تتغذى من محطة ضخ حداثة، تعتمد حالياً على بئر واحدة تخدم أكثر من تجمع سكاني، ما يحد من كميات المياه المتاحة لكل منطقة.
وأشار إلى أن المؤسسة تستكمل الإجراءات اللازمة للإعلان عن حفر بئر جديدة، بهدف تعزيز المورد المائي وتحسين واقع التزويد في تلك المناطق.
وأضاف أن مشكلة نقص الوقود، التي أثرت سابقاً في تشغيل بعض الآبار ومحطات الضخ، تمت معالجتها بعد تأمين الكميات اللازمة وتفعيل البطاقات الإلكترونية بالتنسيق مع محافظة حمص.
وفيما يتعلق بقرية زميمير، بيّن عودة أنه تم توجيه رئيس الوحدة الاقتصادية لمتابعة عمل عامل “السكر” بما يضمن عدالة توزيع المياه بين السكان.
انخفاض وارد عين التنور يفرض ضغوطاً إضافية
ولفت مدير المؤسسة إلى أن مدينة حمص تعتمد بصورة رئيسية على مياه عين التنور، التي انخفض واردها من نحو 140 ألف متر مكعب خلال الفترة نفسها من عام 2024 إلى نحو 90 ألف متر مكعب حالياً، أي بانخفاض يقارب 50 ألف متر مكعب.
وأوضح أن هذا التراجع انعكس على برامج التزويد، ولا سيما مع ازدياد عدد سكان المدينة خلال السنوات الأخيرة بنسبة تتراوح بين 30 و40 بالمئة، ما أدى إلى ارتفاع الطلب على المياه.
وأضاف أن شبكة المياه في مدينة حمص تعتمد نظاماً حلقياً يحتاج إلى كميات كبيرة من المياه، الأمر الذي دفع المؤسسة إلى دراسة تعديل نظام التوزيع بما يتناسب مع الموارد المتاحة، بما يسهم في تحسين كفاءة التزويد.
مشاريع لتعزيز الموارد وتحسين الخدمة
وأكد عودة استمرار المؤسسة في تنفيذ عدد من المشاريع الهادفة إلى دعم مصادر المياه وتحسين استقرار التزويد، من أبرزها تنفيذ خط داعم من سد زيتا إلى عين التنور، إلى جانب إعادة تأهيل محطة عين السمك.
وأوضح أن هذه المشاريع تستهدف زيادة الموارد المائية وتعزيز استقرار التزويد في مدينة حمص والمناطق المستفيدة، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمة خلال المرحلة المقبلة.
برامج التزويد تختلف بحسب مصادر المياه
وبيّن مدير المؤسسة أن برامج ضخ المياه تختلف من منطقة إلى أخرى تبعاً لمصدر المياه، وطبيعة الشبكة، وعدد المستفيدين.
وأوضح أن بعض المناطق تعتمد نظام يوم ضخ مقابل يوم توقف، فيما تعمل مناطق أخرى وفق نظام يوم ضخ مقابل يومي توقف.
وأضاف أن الأحياء التي تتغذى من محطة الزهراء عبر المضخات تخضع للنظام الثاني، في حين تعتمد المناطق التي تتغذى من الخزانات أو وفق نظام الإسالة نظام يوم ضخ مقابل يوم توقف.
وأكد أن توزيع المياه يتم وفق كميات المياه المتوافرة، وعدد السكان، وطبيعة الشبكات، بهدف تحقيق أكبر قدر ممكن من العدالة في التزويد، مشيراً إلى أن مدة الضخ الحالية تتراوح بين ست وتسع ساعات، بحسب كثافة السكان في كل منطقة.
تحديات قائمة وجهود مستمرة
تعكس شكاوى الأهالي في مدينة حمص وعدد من مناطق المحافظة حجم التحديات التي تواجه قطاع مياه الشرب، في ظل تراجع الموارد المائية، وازدياد الطلب، والحاجة إلى استكمال تأهيل الشبكات وتعزيز مصادر التغذية في عدد من المناطق.
وفي المقابل، تواصل المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي تنفيذ مشاريع تهدف إلى دعم الموارد المائية وتحسين برامج التزويد، بما يسهم في رفع مستوى الخدمة وتلبية الاحتياجات المتزايدة، مع بقاء نجاح هذه الجهود مرتبطاً باستكمال المشاريع المخططة وتعزيز مصادر المياه المتاحة.
بشرى عنقة – رهف قمشري