ليست كل العبارات مجرد كلمات تُقال ثم تُنسى، فبعضها يولد من وجعٍ عميق، ويختصر حكاية مدينة بأكملها، ليصبح جزءاً من ذاكرتها الجمعية، و تغدو الحكاية أكبر من مجرد عبارة، وتصبح جزءاً من ذاكرة المكان وأهله.
ومن هذا المنطلق، تسلط «العروبة» الضوء على سيرة ابن حمص الراحل حمزة خالد الفين، المعروف باسم «أبو عادل»، صاحب العبارة التي أصبحت رمزاً للمدينة: “ما عندي أعز من حمص إلا حمص” التي رددها ابن المدينة الراحل حمزة خالد الفين، المعروف بين الحماصنة باسم “أبو عادل”.
و تتحول هذه العبارة بعد سنوات إلى جدارية بارزة في أول شارع الخراب بمدينة حمص، فتخلّد صاحبها وتعيده إلى مدينته التي أحبها حتى آخر أيامه، بعدما رحل قبل أن يرى حلمه بالعودة وقد تحقق.
ولد أبو عادل، واسمه الكامل حمزة خالد الفين، في 10 حزيران عام 1955، ونشأ في أحياء حمص القديمة، وتحديداً في حي باب الدريب – صليبة العصياتي، حيث أمضى طفولته وشبابه بين أزقة المدينة العتيقة، قبل أن ينتقل للإقامة في حي الخالدية حتى انطلاق الثورة السورية.
عمل في مجال الكهرباء موظفاً في الشركة السورية للشبكات، وأفنى سنوات عمره في عمله حتى بلوغه سن التقاعد، وعرف بين زملائه وأهله وجيرانه بالأخلاق الطيبة وروح الدعابة والطرافة والكرم وحسن المعشر، إلى جانب الشجاعة والإقدام وحبه الكبير للناس.
وعاش أبو عادل فاجعة كبرى قبل اندلاع الثورة، بوفاة ابنه الأكبر، إلا أن ذلك لم يثنه عن دفع أبنائه الثلاثة المتبقين للمشاركة في الثورة السورية،مهما كانت نتائج مشاركتهم، فعاشوا تفاصيلها ومرارة حصار حمص، واستشهد أحد أبنائه على جبهات ريف حمص الشمالي، بينما واصل الشقيقان الآخران طريقهما في الشمال السوري.
وعايش أبو عادل أحداث الثمانينيات بكل تفاصيلها من بطش وظلم ، ثم عاش بدايات ثورة عام 2011 منذ انطلاق المظاهرات في مدينة حمص، إلا أن ظروفه الصحية منعته من البقاء داخل المدينة خلال سنوات الحصار، لكنه ظل متابعاً لكل ما يجري، مؤمناً بموقفه الرافض للظلم، ومتمسكاً بخيار الثورة منذ يومها الأول.
وفي عام 2017 غادر حمص إلى الشمال السوري، حيث يقيم أبناؤه، في قرار وصفته العائلة بأنه غيّر مسار حياته إلى الأبد، إذ اختار أن يعيش خارج سلطة النظام، متمسكاً بقناعاته ومبادئه.
وخلال سنوات إقامته في محافظة إدلب، عاش أبو عادل كما عاش أبناء الشمال مرارة النزوح وعدم الاستقرار والقصف والتهجير، إلا أن قلبه بقي معلقاً بمدينة حمص، وكانت العودة إليها حديثه الدائم، فيما ظل حلمه الأكبر سقوط النظام البائد، والعيش في وطن حر خارج حكم الأسدين.
أما العبارة التي خلدت اسمه، فقد قالها خلال مقابلة إعلامية في أحد أيام عيد الفطر بمدينة إدلب، عندما سأله المراسل عن أحب الأماكن إلى قلبه، فأجاب بعفويته المعهودة: “ما عندي أعز من حمص إلا حمص”.
وتؤكد عائلته أن تلك الكلمات خرجت من شوقٍ عميق إلى أزقة المدينة التي نشأ فيها، وإلى الأقارب والأصدقاء والذكريات التي تركها خلفه، ولم يكن أحد يتوقع أن تتحول هذه الجملة البسيطة إلى رمز يردده أبناء حمص والسوريون في الداخل والمهجر، وأن تصبح إحدى أكثر العبارات ارتباطاً بالمدينة.
وتضيف العائلة أن أبو عادل كان شخصية اجتماعية محبوبة، يشارك الشباب والثوار والجيران مختلف مناسباتهم، كما كان شغوفاً بالرياضة، يتابع البطولات الرياضية باستمرار، ونال في إحدى المناسبات جائزة أفضل مشجع، وهي صورة أخرى من شخصيته المرحة والقريبة من الناس.
وفي 27 نيسان 2022، الموافق 26 رمضان، توفي أبو عادل في محافظة إدلب بعد معاناة طويلة مع المرض، ودُفن هناك، ليرحل قبل أن تتحقق أمنيته برؤية حمص مجدداً، وقبل أن يشهد ما آلت إليه مدينته التي ظل يحملها في قلبه حتى اللحظة الأخيرة.
وبعد سنوات من رحيله، عاد اسم أبو عادل إلى شوارع حمص، لكن هذه المرة على هيئة جدارية تحمل عبارته الشهيرة، لتغدو معلماً جديداً يستوقف المارة، ويعيد إلى الأذهان قصة رجل أحب مدينته حتى آخر أنفاسه.
وتصف عائلته لحظة رؤية الجدارية بأنها كانت مزيجاً من الفخر والاعتزاز، مؤكدين أن هذه المبادرة تمثل تكريماً ليس لأبي عادل وحده، بل لكل أبناء حمص الذين ضحوا من أجل مدينتهم. ويعتقد أفراد الأسرة أنه لو شاهد هذا المعلم اليوم لاغرورقت عيناه بدموع الفرح والفخر، لكنه سيبقى كما عرفه الجميع، متواضعاً وبسيطاً.
وترى العائلة أن تحويل عبارة مواطن بسيط إلى معلم في المدينة يحمل دلالة عميقة، فهو يؤكد أن المجتمع يكرّم أبناءه ويصون ذاكرتهم، وأن معالم المدن لم تعد حكراً على صور وشعارات السلطة، بل أصبحت تعبّر عن الناس وحكاياتهم وتجاربهم، وتسهم في ترسيخ الذاكرة الثورية في وجدان الأجيال القادمة.
ويبقى أبو عادل أكثر من صاحب عبارة شهيرة؛ فهو نموذج لإنسان عاش متمسكاً بمبادئه، وحمل مدينته في قلبه أينما ذهب.
حتى صار اسمه جزءاً من ذاكرة حمص.
ومع الجدارية التي تحمل كلماته، يعود الرجل إلى مدينته التي لم تغب عنه يوماً، شاهداً على أن بعض العبارات لا تموت، لأنها كُتبت بالحنين، ورُويت بالتضحية، وحفظتها ذاكرة الناس قبل أن تُنقش على جدران المدينة.
العروبة – هيا العلي