تواجه زراعة الزيتون تحديات متزايدة مع تصاعد موجات الحر وارتفاع درجات الحرارة، التي أصبحت من أبرز آثار التغيرات المناخية المؤثرة في الإنتاج الزراعي.
ورغم ما تتمتع به شجرة الزيتون من قدرة على تحمل الظروف القاسية، إلا أن استمرار الإجهاد الحراري والمائي ينعكس سلباً على نمو الأشجار وإنتاجيتها وجودة ثمارها، ما يستدعي اتباع ممارسات زراعية سليمة، وفي مقدمتها الإدارة الصحيحة للري.
وأكّدت المهندسة منيرة العلي، رئيس دائرة الزيتون في مديرية زراعة حمص، بتصريح لـ “العروبة” أن ارتفاع درجات الحرارة يؤدي إلى حدوث إجهاد مائي وحراري في أشجار الزيتون، ما ينعكس سلبًا على العمليات الحيوية داخل الشجرة، وفي مقدمتها عملية البناء الضوئي، التي تعد المصدر الأساسي لإنتاج الغذاء اللازم لنمو الثمار وتكوين الزيت.
و أوضحت العلي أن الشجرة، عند تعرضها للإجهاد الحراري، تلجأ إلى آلية دفاع طبيعية تتمثل في إغلاق الثغور الموجودة على الأوراق، بهدف تقليل فقدان المياه عبر عملية النتح. إلا أنّ هذه الاستجابة، رغم أهميتها في الحد من استهلاك الماء، تقلل في الوقت ذاته من دخول غاز ثاني أكسيد الكربون إلى الأوراق، فتتراجع كفاءة البناء الضوئي، وينخفض إنتاج المواد الغذائية التي تنتقل إلى الثمار.
و أضافت أن عدم قدرة الجذور على تعويض الفاقد من المياه خلال ساعات النهار يدفع الأوراق إلى سحب جزء من الرطوبة المخزنة داخل الثمار، الأمر الذي يؤدي إلى ظهور أعراض الذبول أو التجعد المؤقت، كما يتباطأ نمو الثمار، وقد يحدث ضمور في حجمها، إلى جانب انخفاض معدل تكوين الزيوت داخلها، خاصة إذا استمرّت موجات الحر لفترات طويلة وترافقت مع الجفاف.
وأشارت إلى أن الإجهاد الحراري قد يؤدي أيضًا إلى تساقط نسبة من الثمار قبل اكتمال نضجها، الأمر الذي ينعكس على كمية الإنتاج النهائية، بينما تتراجع جودة الزيت نتيجة تأثر عمليات التخليق الحيوي للدهون، وهي العمليات المسؤولة عن تكوين الزيت داخل الثمار خلال مراحل النمو المختلفة.
و بيّنت العلي أن أخطر الفترات على أشجار الزيتون تكون خلال أشهر الصيف، عندما ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات مرتفعة بالتزامن مع انخفاض رطوبة التربة، إذ تصبح الأشجار أكثر عرضة للإجهاد، ولا سيّما الأشجار الفتية أو المزروعة في الأراضي الخفيفة سريعة الجفاف.
وفيما يتعلق بآلية الري الصحيحة، نصحت العلي أصحاب البساتين المروية بعدم تأخير الري عند ظهور علامات العطش على الأشجار، مؤكّدة أن الري العميق أفضل من الري السطحي المتكرر، لأنه يسمح بوصول المياه إلى منطقة انتشار الجذور، ويشجعها على التعمق داخل التربة، ما يعزز قدرة الأشجار على تحمل الحرارة والجفاف.
كما أوصت بأن يتم الري خلال ساعات الليل أو في الصباح الباكر، حيث تكون درجات الحرارة منخفضة نسبياً، مما يقلل كمية المياه المفقودة بالتبخر، ويمنح الجذور فرصة كافية لامتصاص المياه قبل اشتداد حرارة النهار، وهو ما يسهم في توفير رطوبة مستقرة داخل التربة تساعد الأشجار على تجاوز فترات الإجهاد.
وأكدت العلي أن توفير المياه خلال هذه المرحلة لا يقتصر على الحفاظ على حجم الثمار فقط، بل يضمن استمرار النشاط الفسيولوجي للشجرة، ويحافظ على كفاءة البناء الضوئي، ويحد من تساقط الثمار، ويساعد في تكوين نسبة أفضل من الزيت حتى موعد القطاف.
وأشارت إلى أن نجاح الري لا يعتمد على كمية المياه وحدها، بل على حسن إدارتها، إذ ينبغي تجنب الإفراط في الري الذي قد يؤدي إلى اختناق الجذور أو زيادة انتشار بعض الأمراض، كما يفضل الحفاظ على رطوبة التربة باستخدام الغطاء العضوي أو بقايا التقليم المفرومة حول الأشجار للحد من تبخر المياه وتحسين خواص التربة.
وتبقى الإدارة السليمة للري في ظل التغيرات المناخية، من أهم الوسائل التي تحافظ على استقرار إنتاج الزيتون وجودة زيته، وتخفف من الآثار السلبية لموجات الحر، بما يضمن استمرار هذا المحصول الاستراتيجي الذي يشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الزراعي والأمن الغذائي.
العروبة – بشرى عنقة