لم يعد النقل في محافظة حمص مجرد خدمة عامة، بل تحول إلى أحد أبرز التحديات اليومية التي تواجه آلاف المواطنين، ولا سيما الطلاب والموظفين، الذين تبدأ رحلتهم مع الانتظار والازدحام منذ ساعات الصباح الأولى للوصول إلى جامعاتهم وأماكن عملهم.
ورغم تفاوت واقع النقل بين أحياء المدينة وريفها، فإن القاسم المشترك يتمثل في مطالب متكررة بتحسين الخدمة، وزيادة عدد وسائل النقل، وإعادة تنظيم الخطوط بما يواكب الكثافة السكانية والاحتياجات الفعلية للمواطنين.
وتظهر جولات “العروبة” تفاوتاً واضحاً في مستوى الخدمة بين أحياء مدينة حمص. ففي وادي الذهب، يرى الأهالي أن الخدمة جيدة نسبياً بفضل تكامل خطوط النقل بين جهتي الحي الشرقية والغربية، إضافة إلى باص النقل الداخلي، مؤكدين أن متابعة مختار الحي ولجنة الحي أسهمت في معالجة عدد من الملاحظات.
وفي الخالدية، رحب السكان بإحداث خطي نقل جديدين، معتبرين أنهما سيسهمان في تخفيف الازدحام وتسهيل تنقل المواطنين، ولا سيما الطلاب والموظفين.
في المقابل، لا تزال أحياء أخرى تعاني نقصاً في وسائل النقل، إذ يشكو سكان العباسية من ازدحام شديد خلال ساعات الذروة، مع اضطرارهم إلى الانتظار لفترات طويلة بسبب قلة السرافيس، إضافة إلى انتظار بعض السائقين اكتمال عدد الركاب قبل الانطلاق، مطالبين بزيادة عدد المركبات وتشديد الرقابة على التزامها بالعمل.
أما في دير بعلبة الجنوبي، فيضطر عدد من السكان إلى السير لمسافات تصل إلى نحو كيلومترين للوصول إلى أقرب وسيلة نقل، نتيجة اتساع مساحة الحي وضعف التغطية، ما دفعهم إلى المطالبة بإحداث خطوط جديدة أو تسيير باصات نقل داخلي تخدم مختلف أنحاء المنطقة.
ورغم قرب حي الحميدية من مركز المدينة، لا يزال غياب وسيلة نقل مباشرة إلى جامعة حمص يشكل أبرز مطالب السكان، الذين رحبوا بالموافقة على إطلاق خط تجريبي لمدة ثلاثة أشهر يخدم طلاب أحياء حمص القديمة، ومنها الحميدية وبني السباعي وباب تدمر وصليبة العصياتي وصولاً إلى باب الدريب.
كما طالبوا باستحداث خط يربط الكراجين الجنوبي والشمالي، وتعديل مسار خط السكن الشبابي ليعبر السوق عند ساحة الساعة الجديدة، وتفعيل رحلة الإياب على خط شارع البرازيل، وتعديل مسار العودة لخط باب السباع ليمر بإشارة المركز الثقافي وصولاً إلى إشارة القلعة.
وفي حي المريجة، تتكرر الشكاوى من ضعف الخدمة على الخط الواصل إلى مركز المدينة، ولا سيما خلال ساعات الذروة، نتيجة امتناع بعض السرافيس عن متابعة السير قبل اكتمال عدد الركاب، فيما تتفاقم الأزمة أيام الجمعة مع توجه عدد من المركبات للعمل على الطلبات الخارجية، الأمر الذي دفع الأهالي إلى المطالبة بتنظيم حركة السرافيس وتأمين عدد كافٍ منها خلال أوقات الذروة والعطل.
أما في حي الأرمن، فيؤكد السكان أن عدد السرافيس العاملة على الخط مقبول، إلا أنهم يطالبون بعودة التزامها بالوصول إلى نهاية الخط كما كان سابقاً، وصولاً إلى ما بعد مقبرة الفردوس، بما يضمن خدمة التجمع السكاني في تلك المنطقة.
ولا تقل معاناة الريف عن المدينة، إذ تتداخل محدودية وسائل النقل مع ارتفاع أجور التنقل، ما يضاعف الأعباء المالية على الطلاب والموظفين.
فعلى خط عين النسر–تل عمري–حمص–جامعة حمص، يؤمن باص نقل داخلي تابع لمجلس بلدية عين النسر نقل الطلاب والموظفين مقابل تعرفة تبلغ 8000 ليرة، إلى جانب سرفيس يعمل بين تل عمري وعين النسر والكراج الشمالي بتعرفة تبلغ 10000 ليرة.
أما خط حمص–المخرم، فقد اقتصر على السرافيس بعد توقف باص النقل الداخلي، مع استمرار الازدحام اليومي، فيما تبلغ تعرفة الرحلة 12000 ليرة.
وتبرز معاناة سكان قرى مشتى الحلو وبرشين والجويخات والعيون والمرانة، حيث تبلغ تعرفة الرحلة على الخط 35 ألف ليرة، بينما يؤكد عدد من الطلاب والموظفين القاطنين في قرية المرانة الواقعة على الخط أنهم يدفعون يومياً ما بين 20 و25 ألف ليرة ذهاباً ومثلها إياباً، لتصل تكلفة تنقلهم اليومية إلى نحو 50 ألف ليرة، وهو ما يشكل عبئاً كبيراً على دخولهم.
كما يستمر الازدحام على خط الصويري–حمص، رغم وصول تعرفة السرفيس إلى 13 ألف ليرة، ما يدفع كثيراً من الركاب إلى الحجز المسبق لضمان مقعد، فيما تبلغ تعرفة النقل على خط الزعفرانة–حمص 7000 ليرة، وعلى خط دير فول–حمص 10000 ليرة.
ويعد خط حمص–الشرقلية–القناقية–القبو نموذجاً لأهمية استمرار عمل باصات النقل الداخلي، إذ يؤكد الأهالي أن الباص يخدم جميع القرى الواقعة على الخط بتعرفة تبلغ 6500 ليرة لمعظم القرى و9500 ليرة للقبو باعتبارها نهاية الخط، في حين تتقاضى السرافيس 10000 ليرة.
ويشير الأهالي إلى أنه، رغم تسجيل 29 سرفيساً على الخط، فإن العدد العامل فعلياً لا يتجاوز بين 10 و15 سرفيساً، وهو عدد لا يكفي لخدمة أكثر من أربع أو خمس قرى، ما يجعل باص النقل الداخلي الركيزة الأساسية التي يعتمد عليها السكان يومياً.
وينطبق الواقع ذاته على عدد من خطوط الريف، بينها أم العمد–حمص وكفرنان–حمص، حيث أسهمت باصات النقل الداخلي خلال السنوات الماضية في تخفيف الازدحام وتوفير وسيلة نقل أقل كلفة للمواطنين.
ويجمع أهالي الريف على أن أي توجه لإيقاف باصات النقل الداخلي سيضاعف معاناة آلاف الطلاب والموظفين، مؤكدين أن هذه الباصات تمثل اليوم الوسيلة الأكثر انتظاماً والأقل كلفة على خطوط تشهد كثافة ركاب مرتفعة.
وفي مقابل الشكاوى التي رصدتها “العروبة”، عرضت مديرية النقل رؤيتها لواقع قطاع النقل في المحافظة والإجراءات المتخذة لتنظيمه.
وأوضح المكتب الإعلامي في محافظة حمص أن البيانات المتوافرة لدى مديرية النقل تشير إلى عدم وجود نقص في عدد المركبات المرخصة على خطوط النقل داخل المحافظة، بل إن هناك فائضاً في أعدادها، الأمر الذي دفع المديرية إلى إيقاف تعميم المركبات على الخطوط حتى نهاية العام الحالي.
وبيّن أن دور مديرية النقل يتمثل في وضع الرؤية التنظيمية والاستراتيجية لقطاع النقل، بينما تتولى الوحدات الإدارية، ممثلة بمجلس مدينة حمص والبلديات، مسؤولية الرقابة الميدانية المباشرة على التزام السرافيس بخطوطها وتنظيم حركتها، بالتنسيق مع الجهات المعنية.
وأشار إلى أن المديرية كانت تعتمد سابقاً على منظومة التتبع الإلكتروني (GPS) لمراقبة حركة وسائل النقل والتأكد من التزامها بخدمة الخطوط المخصصة لها، إلا أن إيقاف العمل بهذه المنظومة بقرار من الوزارة حدّ من إمكانية الحصول على بيانات دقيقة وآنية حول حركة المركبات، الأمر الذي انعكس على مستوى المتابعة والرقابة.
وأكد أن مديرية النقل تتابع شكاوى المواطنين بشكل مستمر من خلال النافذة الواحدة، حيث تلقت خلال العام الماضي أكثر من 103 شكاوى، جرى التعامل معها ومتابعتها بالتنسيق مع الجهات المختصة.
وفيما يتعلق بالمطالب المتكررة بالإبقاء على باصات النقل الداخلي العاملة على بعض خطوط الريف، أوضح أن المهمة الأساسية لهذه الباصات هي خدمة مدينة حمص، وأن تشغيلها على بعض الخطوط الريفية جاء حلاً مؤقتاً لتلبية احتياجات محددة، ولم يكن ضمن الغاية الأساسية التي أُحدثت من أجلها.
وأضاف أن المديرية عملت خلال الفترة الماضية على تطوير شبكة النقل داخل المدينة بما يتناسب مع التوسع العمراني، حيث استُحدثت خطوط: دير بعلبة–الجامعة، ودير بعلبة–السوق، والبياضة–الجامعة، ومساكن المعلمين–التأمينات–الخالدية–الجامعة، والبياضة–مساكن المعلمين–التأمينات–الخالدية–السوق. كما تمت الموافقة على إحداث خطي كرم الزيتون–السوق مروراً بالجامعة، والحميدية–الجامعة، فيما تدرس حالياً استحداث خط يخدم حي عشيرة باتجاه السوق، وآخر يربط حي الوعر بالكراج الجنوبي مروراً بجامعة حمص.
وأوضح أن استحداث أي خط جديد أو تعديل مسار أي خط قائم يخضع لدراسة فنية وتنظيمية تبدأ من لجان الأحياء، ثم تُرفع إلى الوحدات الإدارية، ومنها إلى مديرية النقل، قبل عرضها على لجنة نقل الركاب المشترك برئاسة محافظ حمص، التي تضم ممثلين عن الجهات المعنية بقطاع النقل، لاتخاذ القرار المناسب وفق الاحتياجات الفعلية والكثافة السكانية وحركة النقل.
وأضاف أن خطة العمل خلال المرحلة المقبلة تركز على تحديث منظومة النقل في المحافظة من خلال تطوير أسطول النقل العام، حيث صدر قرار يحدد المواصفات الفنية للمركبات السياحية والميكروباصات والباصات التي ستسجل ضمن الفئة العامة أو ستحول من الفئة الخاصة إلى العامة، بما يسهم في تحسين جودة الخدمة.
كما يجري العمل على دراسة مشروع “الترام واي” بوصفه أحد المشاريع الاستراتيجية المستقبلية لتطوير النقل داخل مدينة حمص، بالتوازي مع الاستمرار في تطوير شبكة النقل ومتابعة شكاوى المواطنين بما يتلاءم مع النمو العمراني والسكاني في المدينة والريف.
وبين الشكاوى التي يعبر عنها المواطنون، والإجراءات التي تستعرضها الجهات المعنية، يبقى تحسين واقع النقل مرتبطاً بقدرة المنظومة على تلبية الاحتياجات اليومية للركاب، بما يضمن خدمة أكثر انتظاماً وكفاءة في المدينة والريف.
بشرى عنقة-هيا العلي
#ملف_العروبة #الواقع_الخدمي
#العروبة