وسط بخار القدور المتصاعد ورائحة القمح المسلوق، تقف السيدة آمنة الحسيان 59 عاماً من منطقة القصير أمام أوعية السليقة، تستعيد تفاصيل عادة ريفية ارتبطت بموسم الحصاد وفرحة جني محصول عام كامل من العمل. وبخبرة اكتسبتها عبر سنوات طويلة، تواصل إعداد السليقة بوصفها جزءاً من التراث الغذائي والذاكرة الريفية.
ورصدت صحيفة العروبة مراحل إعداد السليقة، والتقت الحسيان التي أوضحت أن العمل يبدأ بعد انتهاء موسم حصاد القمح ودرسه، إذ يحرص أهالي الريف على استخدام محصول الموسم نفسه لإعداد السليقة التي تسبق صناعة البرغل، لما يتميز به القمح الجديد من جودة أعلى وطعم أفضل.
وبيّنت أن البداية تكون بغربلة القمح لإزالة الشوائب والحبوب الصغيرة أو المكسورة والملفوحة، ثم تنقيته جيداً قبل غسله بالماء. وبعد ذلك يُوضع في أوعية كبيرة تُعرف شعبياً بـ”الحلل”، ويُغمر بالماء حتى يرتفع مستواه بنحو عشرين سنتيمتراً فوق القمح، ثم يُترك على النار حتى ينضج بالكامل.
وأضافت أن اكتمال نضج حبة القمح من أهم مراحل العمل، لأن عدم استوائها يؤدي إلى بقاء أجزاء بيضاء داخل الحبة، ما يؤثر في جودة البرغل ولونه وطعمه. وبعد انتهاء السلق تبدأ مراحل التجفيف والتحضير، ليصبح القمح جاهزاً للطحن.
وأكدت الحسيان أن السليقة لم تكن في الماضي مجرد وسيلة لتحضير الغذاء، بل مناسبة اجتماعية تجمع أهالي القرية، حيث تتعاون العائلات في مختلف مراحل العمل، ويتحول يوم السليقة إلى ما يشبه العرس الشعبي، تتخلله السهرات والضيافة والأهازيج.
وأشارت إلى أن هذه العادة تراجعت خلال السنوات الأخيرة نتيجة انتشار البرغل الجاهز، وتراجع معرفة الأجيال الجديدة بتفاصيل إعداد السليقة، إضافة إلى صعوبة تأمين الحطب والمساحات المناسبة داخل المدن، ما دفع كثيراً من الأسر إلى شراء البرغل الجاهز أو الاستعانة بورش متخصصة.
ولفتت إلى أن القمح القاسي هو الأفضل لصناعة البرغل والسليقة، بينما يُستخدم القمح الطري في إنتاج الطحين. كما أوضحت أن كل مئة كيلوغرام من القمح تعطي نحو خمسة وسبعين كيلوغراماً من البرغل بعد الغربلة والتنظيف والسلق والتجفيف.
وبيّنت أن البرغل الناتج يُطحن إلى نوعين، هما البرغل الخشن المستخدم في إعداد العديد من الأطعمة، والبرغل الناعم الذي يدخل في صناعة الكبة، مؤكدة أن السليقة ما تزال حاضرة في عدد من قرى الريف وتحافظ على مكانتها كإحدى الصناعات المنزلية التراثية.
وختمت الحسيان بالإشارة إلى أن السليقة يمكن أن تشكل مشروعاً منزلياً مجدياً عند توافر مستلزماته، وفي مقدمتها الحطب منخفض الكلفة ومساحة مناسبة لتجفيف القمح، لتبقى هذه الحرفة جزءاً من ذاكرة الريف وتعبيراً عن ارتباط الإنسان بأرضه ومواسمه.
العروبة – هيا العلي