تختزن ثانوية عبد الحميد الزهراوي في حمص أكثر من قرن من التاريخ التعليمي، فقد شكلت منذ تأسيسها إحدى أبرز منارات العلم في المدينة، وأسهمت في تخريج أجيال من الأدباء والباحثين والأطباء والمهندسين والتربويين.
بدأت مسيرة التعليم المنظم في حمص خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لتتوج بتأسيس «المدرسة العلمية» عام 1906 بمبادرة من مفتي حمص خالد الأتاسي ولجنة أهلية برئاسة نجم الدين الأتاسي، تلتها «مدرسة الاتحاد الوطني» عام 1908 التي أسسها المربي عبد الحميد الحراكي.
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، توحدت المدرستان لتشكلا النواة الأولى للثانوية، قبل أن تنتقل إلى عهدة الدولة عام 1919، وتصبح أول ثانوية رسمية في المدينة.
وحملت المؤسسة خلال مسيرتها عدة أسماء، إلى أن استقرت عام 1958 على اسم «ثانوية عبد الحميد الزهراوي» تكريماً للمفكر والصحفي والسياسي الحمصي الراحل، أحد رموز الإصلاح والنهضة العربية.
ويحافظ مبناها التاريخي في حي الحمرا على طابع معماري حمصي أصيل، إذ شُيّد بالحجر البازلتي الأسود، ويضم قاعات دراسية ومخابر ومكتبة ومسرحاً مدرسياً، إضافة إلى متحف تربوي يحتفظ بوثائق وصور وأدوات علمية توثق مراحل من تاريخ التعليم في المدينة.
ولم يقتصر دور الثانوية على التعليم، بل كان لها حضور ثقافي وعلمي بارز، إذ تخرج منها عدد من الشخصيات المؤثرة، من بينهم الأدباء عبد المعين الملوحي وعبد الباسط الصوفي، والباحث رفيق الفاخوري، ورئيس مجمع اللغة العربية الأسبق شاكر الفحام، إلى جانب أسماء أخرى تركت بصمتها في مجالات الفكر والعلم والثقافة.
وبعد مراحل من الترميم والتحديث، أعيد افتتاح الثانوية عام 2025 بحلة جديدة حافظت على هويتها التاريخية، مع تطوير مرافقها وإدخال تجهيزات حديثة، لتواصل أداء دورها كصرح تعليمي يجمع بين إرث الماضي ومتطلبات التعليم المعاصر.
وبين جدرانها البازلتية التي حفظت ذاكرة أجيال متعاقبة، تبقى ثانوية عبد الحميد الزهراوي شاهداً على مسيرة العلم في حمص، ومنارة تواصل حمل رسالة المعرفة، محافظة على مكانتها بين عراقة التاريخ وتطلعات المستقبل.
العروبة – سلوى الديب