حققت الدولة السورية الجديدة إنجازاً سياسياً وسيادياً بارزاً بعد نجاح مفاوضات استمرت نحو 18 شهراً في التوصل إلى مذكرة تفاهم مع روسيا تعيد تنظيم وجودها في سوريا، وتنقل العلاقة بين البلدين من ترتيبات عسكرية تأسست في ظروف الحرب في سوريا إلى صيغة جديدة تقوم على التفاهم والمصالح المتبادلة، مع استعادة الدولة إدارة منشآت استراتيجية كانت مرتبطة بالوجود الروسي.
ورثت الدولة السورية عقب سقوط نظام الأسد البائد ملفات سياسية وعسكرية شديدة التعقيد، وكان الوجود الروسي في حميميم وطرطوس من أبرزها، بالنظر إلى الدور العسكري الذي لعبته موسكو منذ تدخلها المباشر عام 2015، وتحول قاعدة حميميم إلى مركز رئيسي لعملياتها الجوية في سوريا.
واختارت دمشق معالجة هذا الملف عبر التفاوض بدلاً من القطيعة أو التصعيد، في مقاربة تعكس محاولة الانتقال من علاقات قامت خلال المرحلة السابقة على ظروف الحرب والارتهان، إلى علاقات بين الدول تقوم على المصالح والتفاهم المتبادل.
قادت وزارة الخارجية والمغتربين مفاوضات مكثفة مع الجانب الروسي استمرت نحو عام ونصف، وانتهت بالتوصل إلى صيغة وافق عليها البلدان لإعادة تنظيم الوجود الروسي، بما يضع واحداً من أكثر الملفات حساسية أمام إطار سياسي وتنفيذي واضح.
ويحمل نجاح دمشق في إعادة التفاوض حول هذا الملف أهمية خاصة، فروسيا لم تكن طرفاً خارجياً عادياً في المشهد السوري، وإنما قوة دولية امتلكت حضوراً عسكرياً واسعاً ومنشآت استراتيجية في الساحل السوري، ما يجعل تعديل طبيعة هذا الوجود نتيجة سياسية مهمة للدولة الجديدة.
بموجب التفاهم حققت سوريا مكسباً مباشراً يتمثل في استعادة إدارة المنشآت ذات الطابع المدني، وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، بما يمهد لإعادتها تدريجياً إلى وظائفها المدنية وإدماجها ضمن منظومة الإدارة والاستثمار الوطني.
وبدأت النتائج العملية للاتفاق بالظهور مع إعلان الهيئة العامة للمنافذ والجمارك تسلم المواقع التجارية التي كان يشغلها الجانب الروسي في مرفأ طرطوس، بما فيها الرصيف الرابع ومستودعاته ومنشآته، بالتوازي مع إعلان الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي تسلم مطار اللاذقية الدولي وبدء تقييم وضعه الفني والتشغيلي تمهيداً لإعادة تأهيله وتشغيله.
وأعاد الاتفاق كذلك تعريف وظيفة المنشآت العسكرية الروسية، إذ اتفق الجانبان على الانتقال من نموذج القواعد العسكرية بصيغته السابقة إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل، ضمن ترتيبات جديدة تحفظ المصالح المتبادلة.
ويحمل هذا التحول دلالة مهمة بالنظر إلى الدور الذي أدته قاعدة حميميم منذ عام 2015، حين أصبحت مركزاً رئيسياً للعمليات العسكرية الروسية، وانطلقت منها آلاف الطلعات التي استهدفت مناطق سورية وأوقعت أعداداً كبيرة من الضحايا المدنيين.
يبرز الإنجاز السوري في أن دمشق استطاعت الجمع بين استعادة إدارة منشآتها وإعادة تنظيم الوجود العسكري الروسي من جهة، والحفاظ على العلاقات مع موسكو من جهة أخرى، بما ينقل العلاقة من صيغة تأسست في عهد نظام الأسد البائد إلى ترتيبات جديدة تحددها المصالح المشتركة للدولتين.
ويعزز تحديد مهلة لا تتجاوز ثلاثة أشهر لاستكمال عملية التحول أهمية الاتفاق، إذ يحوله من مجرد تفاهم سياسي إلى مسار تنفيذي محدد زمنياً، ويضع نهاية تدريجية لحالة الغموض التي أحاطت بمستقبل القواعد الروسية بعد سقوط النظام البائد.
يمثل الاتفاق في المحصلة إنجازاً مهماً للدولة السورية الجديدة، ليس لأنه ينهي العلاقة مع روسيا، وإنما لأنه يعيد تعريفها من موقع مختلف، ويؤكد قدرة دمشق على فتح الملفات المعقدة التي ورثتها عن المرحلة السابقة وإعادة التفاوض بشأنها وفق مصالحها.
ويحمل اتفاق حميميم وطرطوس رسالة تتجاوز حدود العلاقة مع موسكو، مفادها أن الترتيبات التي فرضتها سنوات الحرب ليست واقعاً دائماً، وأن سوريا الجديدة قادرة على استعادة إدارة منشآتها الاستراتيجية وإعادة تنظيم علاقاتها الخارجية بالتفاوض، وفق قاعدة تحفظ سيادة الدولة ومصالحها، وتؤسس لشراكات أكثر توازناً في المرحلة المقبلة.
المزيد...