العروبة – خاص
تحافظ المهن التقليدية في أحياء حمص على حضورها بما تختزنه من خبرات وحكايات توارثتها الأجيال، وبين رائحة العجين وحرارة الأفران في حي الميدان، يواصل حرفيون التمسك بمهنهم رغم تبدل ظروف العمل وارتفاع تكاليف الإنتاج، محافظين على تفاصيل صنعت للمنتجات الشعبية نكهتها ومكانتها لدى الناس.
الحرفي طاهر شحود، 31 عاماً، يواصل إعداد المعجنات والمناقيش بحرفة رافقته منذ طفولته في حي الميدان بمدينة حمص، مستنداً إلى خبرة عائلية توارثها عن والده وجده، ومتمسكاً بأسرار المهنة التي يرى أنها تبدأ من جودة المكونات ولا تنتهي عند طريقة تحضير العجين.
ويستذكر شحود بدايات تعلقه بالمهنة، حين كان يراقب والده وجده وهما يعملان في إعداد المعجنات، ليتحول فضوله الطفولي مع مرور السنوات إلى شغف دفعه إلى تعلم تفاصيل الحرفة واختيارها طريقاً لمستقبله.
وقال شحود لـ«العروبة» إن المهنة بالنسبة إليه تتجاوز كونها مصدراً للرزق، فهي تجمع بين الفن والمهارة وتقديم الطعام للناس، مشيراً إلى أن رغبته في تقديم لقمة طيبة تحمل الخير والبركة لأهله وناسه كانت من أبرز دوافع استمراره فيها.
وأوضح أن تجربته المهنية تمتد لنحو عشرين عاماً، تنقل خلالها بين مراحل متعددة، بدأها عاملاً يتعلم كيفية التعامل مع العجين ويبحث عن أسرار المهنة وتفاصيلها، قبل أن يكتسب الخبرة التي مكنته لاحقاً من تأسيس عمله الخاص.
ولفت شحود إلى أن انتقاله من مرحلة التعلم إلى العمل المستقل ترافق مع تطوير أساليبه وابتكار خلطات خاصة به، مؤكداً أن سنوات الخبرة منحته قدرة أكبر على فهم طبيعة المواد المستخدمة وكيفية الوصول إلى المنتج الذي يرضي الزبون.
وبين شحود أن تجربته في لبنان شكلت محطة إضافية في مسيرته، إذ أتاحت له اكتساب خبرات جديدة والتعرف على أساليب متنوعة في صناعة المعجنات، قبل أن يوظف ما تعلمه في تطوير عمله مع المحافظة على الطابع التقليدي للحرفة.
وأكد شحود أن سر التميز لا يرتبط بوصفة واحدة، وإنما بمجموعة من التفاصيل التي تبدأ باختيار أفضل أنواع الدقيق، واستخدام زيت الزيتون البلدي والزعتر الأصيل، إلى جانب الأمانة في العمل وعدم التنازل عن جودة المكونات.
ويبين أن الزبون أصبح قادراً على اكتشاف أي تغيير يطرأ على نوعية المواد المستخدمة أو مذاق المنتج، الأمر الذي يجعل المحافظة على مستوى ثابت من الجودة والطعم مسؤولية يومية لا يمكن للحرفي التهاون فيها.
ويشير شحود إلى أن دخول العجانات الكهربائية والأفران الدوارة وغيرها من المعدات الحديثة أسهم في تخفيف الجهد واختصار الوقت، وساعد على تطوير عملية الإنتاج، إلا أن الاعتماد على التقنيات الحديثة لا يعني بالنسبة إليه التخلي عن الأساليب التقليدية.
وأكد حرصه على إبقاء روح الحرفة حاضرة، ولا سيما في مراحل تحضير العجين وتخميره، معتبراً أن هذه التفاصيل تشكل جزءاً أساسياً من سر النكهة التراثية التي يعرفها الزبائن ويبحثون عنها.
وكشف شحود أن ارتفاع أسعار المواد الأولية يشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه أصحاب المهنة، إذ تشمل الزيادات الدقيق والجبن والزعتر والوقود وغيرها من المواد الداخلة في عملية الإنتاج.
وأوضح أن التحدي اليومي يتمثل في تحقيق توازن بين المحافظة على أسعار تتناسب مع القدرة الشرائية للمواطنين، وتغطية تكاليف الإنتاج المتزايدة، مع عدم التضحية بجودة المنتج التي تشكل أساس استمرار الحرفي وسمعته.
كما اعتبر شحود أن الحفاظ على المهنة لا يتحقق باستمرار أصحاب الخبرة في ممارستها فقط، وإنما يحتاج إلى نقلها للأجيال الجديدة، ولذلك يحرص على إتاحة المجال أمام الشباب الراغبين في تعلم أصول صناعة المعجنات.
وأكد أن تعليم الحرفة لا يقتصر على إعطاء وصفة أو تحديد كميات المكونات، بل يتطلب تدريب المتعلم على فهم طبيعة العجين وكيفية التعامل معه، والتحلي بالصبر خلال مراحل التحضير المختلفة، حتى يمتلك الخبرة العملية اللازمة.
ويشير شحود إلى أهمية الدور الذي يمكن أن يؤديه اتحاد الحرفيين في دعم أصحاب المهن والحفاظ على حقوقهم، معرباً عن أمله في تقديم مزيد من التسهيلات للحرفيين، ولا سيما ما يتعلق بتأمين المواد الأساسية التي يحتاجون إليها لاستمرار أعمالهم.
ودعا إلى توسيع إقامة المعارض والمهرجانات التي تتيح للحرفيين عرض منتجاتهم والتعريف بها، لما لذلك من دور في إبراز قيمة الحرف التقليدية وتسليط الضوء على أصحابها، وتعزيز حضور المنتجات المحلية في الأسواق.
ويرى شحود أن الإقبال على تعلم صناعة المعجنات لا يزال موجوداً بين الشباب، لكونها مهنة حيوية يرتبط إنتاجها بحاجة يومية ولا ينقطع الطلب عليها، لكنه يشدد على أن دخولها بعقلية تحقيق الربح السريع لا يصنع حرفياً ناجحاً.
ونصح الشباب الراغبين في تعلم المهنة بالاهتمام بالنظافة والإتقان والجودة، والعمل على بناء سمعة طيبة بصورة تدريجية، مؤكداً أن ثقة الزبون تبقى الركيزة الأساسية لاستمرار أي مشروع ونجاحه.
ولخص شحود تجربته بثلاثة عناصر يرى أنها تشكل أساس النجاح، تبدأ بالخبرة التي تمنح الحرفي قاعدة قوية، وتمر بالجودة التي تضمن استمراره، وصولاً إلى الالتزام برغبة الزبون والمحافظة على ثقته.
يتطلع شحود إلى تطوير مشروعه وتوسيعه عبر إدخال مزيد من المعدات والآلات الحديثة، ومنها الأفران الدوارة، بما يساعد على تحسين الإنتاج وزيادة القدرة على تلبية الطلب، من دون التخلي عن الخصائص التقليدية التي تميز منتجاته.
ويأمل أن تتجاوز المنتجات التقليدية السورية حدود أسواقها المحلية، وأن تصل بما تحمله من أصالة وعراقة إلى نطاق أوسع، وبمستوى يجمع بين أسرار الحرفة القديمة ومتطلبات الجودة والمعايير الحديثة.
وتبقى تجربة طاهر شحود نموذجاً لحرفيين يرون في مهنتهم أكثر من مورد للعيش، فبين نار الفرن وعجين يتطلب الصبر والخبرة، تستمر حكاية مهنة تحافظ على جزء من ذاكرة حي الميدان في حمص، وتؤكد أن التراث يبقى حياً ما دام هناك من يتقن صنعته ويتمسك بأصالتها وينقل أسرارها إلى جيل جديد.
المزيد...