سيران حمص.. موروث اجتماعي يجمع الأهل والأحباب على ضفاف العاصي

يستعيد الحماصنة واحدة من أجمل عاداتهم الاجتماعية المتوارثة؛ «السيران»، تلك النزهة التراثية التي تتجه فيها العائلات والأقارب والأصدقاء إلى ضفاف نهر العاصي وبساتين الميماس، لقضاء ساعات من الفرح والبهجة بعيداً عن روتين الحياة اليومية وضغوطها.

ولا يقتصر السيران الحمصي على كونه رحلة ترفيهية إلى الطبيعة، بل يمثل موروثاً اجتماعياً قديماً ومتجدداً، ارتبط بهوية مدينة حمص وأهلها، وظل حاضراً في الذاكرة الشعبية جيلاً بعد جيل، بما يحمله من قيم المحبة والكرم وصلة الرحم والتواصل الاجتماعي والارتباط بالأرض والطبيعة.

وأشار المهندس رامي الدويري، عضو الجمعية التاريخية السورية، في تصريح لصحيفة «العروبة»، إلى أن سيران حمص «واحد من أجمل وأعرق العادات الاجتماعية التراثية التي ارتبطت بهوية مدينة حمص وأهلها على مر العصور»، مبيناً أنه يمثل نمط حياة ربيعياً وصيفياً يجمع بين البساطة والكرم وحب الحياة، ويعكس عمق العلاقات الأسرية والاجتماعية بين الحماصنة.

وأوضح أن السيران يبدأ غالباً باختيار المكان المناسب، حيث تعد بساتين الميماس وضفاف العاصي من أبرز المقاصد، إلى جانب عدد من المناطق والبساتين القريبة، ومنها مناطق الرستن والقصير وزيدل وفيروزة وبساتين حمص الغربية.

وتتميز هذه الأماكن بطبيعتها الخضراء وأشجارها المثمرة وأجوائها اللطيفة وقربها من المياه، ما يجعلها ملاذاً عائلياً للهروب من حرارة الصيف وكسر روتين العمل والحياة اليومية.

ولا تأتي رحلة السيران بشكل عفوي تماماً، إذ تبدأ التحضيرات لها قبل أيام، من خلال اتفاق أفراد العائلة أو الأقارب والأصدقاء على تحديد المكان وموعد الانطلاق، وغالباً ما يكون ذلك في أيام العطلات، ولا سيما يوم الجمعة.

ويحمل المشاركون معهم كل ما يلزم لإعداد جلسة مريحة في الطبيعة، من السجاد والسطاحات «الحصر»، إلى أدوات الشواء وإبريق الشاي الذي يوضع على الفحم، إضافة إلى الألعاب الترفيهية التي تضفي على الجلسة مزيداً من المتعة، مثل ألعاب الورق والنرد والكرة.

ويبقى الطعام جزءاً أساسياً من تجربة السيران الحمصي، حيث تتصدر المشاوي قائمة الأطباق، ولا سيما الكباب والشيش طاووق واللحم الشقف، إلى جانب الأطباق الحمصية التقليدية التي تحضر بأشكالها المتنوعة، ومنها الكبة الحمصية المشوية على الفحم أو المقلية، إضافة إلى كبة السفرجلية واللبنية.

وتحضر المقبلات كذلك على موائد السيران، ومنها التبولة والفتوش والمتبل والحمص بالطحينة، إلى جانب الأوراق والخضار الطازجة، كالجرجير والبصل الأخضر والنعناع والخيار.

أما المشروبات، فيبقى شاي الفحم حاضراً بوصفه أحد الطقوس التي لا تكتمل جلسة السيران من دونها، إذ يُعد على جمر الفحم أو الحطب، فيما تحضر الحلويات الحمصية، مثل حلاوة الجبن والمشبك، إلى جانب الفواكه الصيفية، وفي مقدمتها البطيخ والكرز.

ولا تكتمل أجواء السيران من دون الأغاني والأهازيج التراثية التي تحيي الجلسات وتمنحها طابعاً خاصاً، إذ تتردد الأغاني القديمة والقدود الحمصية والموال السوري، وغالباً ما ترافقها أنغام العود وإيقاع الدربكة.

وللألعاب الشعبية حضورها أيضاً، حيث يمارس الكبار ألعاب «البرجيس» و«الطرنيب» و«شيش بيش» القائمة على النرد، فيما يجد الأطفال متعتهم في لعب الكرة وإجراء المسابقات الخفيفة.

ومن العادات الجميلة التي تميز السيران الحمصي تبادل الأطباق والضيافة بين العائلات المتجاورة في البساتين، في تقليد يعرف بـ«الذواقة»، بما يعكس روح الألفة والكرم والتشارك التي تميز المجتمع الحمصي.

ويحمل السيران قيمة اجتماعية تتجاوز حدود الترفيه، فهو فرصة لتجمع العائلات الممتدة وتعزيز صلة الرحم وتوطيد المحبة بين الأقارب والأصدقاء، كما يشكل وسيلة للترويح عن النفس وتفريغ الضغوط وتجديد النشاط في أحضان الطبيعة.

وفي الوقت نفسه، يمثل السيران أحد أشكال الحفاظ على الهوية والتراث الاجتماعي للمدينة، إذ يحرص الأبناء والأحفاد على ممارسة هذا الطقس المتوارث، لتبقى تفاصيله حاضرة في حياتهم، وإن تغيرت بعض مظاهره مع مرور الزمن.

وهكذا يواصل الحماصنة الحفاظ على عادة اجتماعية أصيلة تتجدد تفاصيلها مع الزمن، لكنها تبقى وفية لجوهرها: لقاء الناس، وصلة الرحم، والفرح، والارتباط بالأرض والطبيعة، والحفاظ على هوية حمص وتراثها الاجتماعي.
العروبة – هيا العلي

المزيد...
آخر الأخبار
وزير الإعلام السوري يشارك في منتدى TRT World Forum بإسطنبول لمناقشة التحولات الدولية والتحديات العال... مزارعو حمص بين ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف العائد.. أين تذهب أرباح المحاصيل؟ وزارة النقل: 2.2 مليون طن حركة الشحن في تشرين الأول و60 نقطة لمراقبة الحمولات بين ورش العمل وبسطات البيع ورعاية الإخوة.. أطفال يحملون أعباء تفوق أعمارهم حين فرّقت الحرب جيران العمر.. ذاكرة الحارات الحمصية تبحث عن وجوهها الغائبة حكايات عاطفية ومظاهر مترفة.. هل تعكس المسلسلات المعربة حياة المشاهدين؟ المركزي السوري ينظم العمولات والرسوم المصرفية.. حظر رسوم توطين الرواتب والاشتراكات التلقائية النشرة الرياضية: فوز نادي خالد بن الوليد في دوري الدرجة الأولى ومشاركة سورية مرتقبة في شطرنج آسيا أمام مجلس الاتحاد الأوروبي.. سوريا تطرح رؤية للتعاون الأمني والتمويل التنموي وعودة اللاجئين اقتصاد العروبة: ارتفاع الذهب واستقرار الصرف وتحركات لتنظيم النشاط التجاري في حمص