العروبة – خاص
أثارت الأحكام الصادرة عن محكمة الجنايات الرابعة في دمشق بحق عدد من أبرز رموز نظام الأسد البائد، بينهم بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد وعاطف نجيب، تفاعلاً رسمياً وقانونياً واسعاً، بالتزامن مع مواقف حقوقية دولية تناولت عقوبة الإعدام والمحاكمات الغيابية، وسط تأكيدات سورية على استقلال القضاء وضرورة تحقيق المساءلة وإنصاف الضحايا وضمان حقوق المتهمين.
وأعلنت نقابة المحامين في سوريا، في بيان أصدرته الأربعاء 12 آب 2026، موقفها من الطروحات التي أوردتها منظمة العفو الدولية بشأن الأحكام القضائية، مؤكدة تمسكها بضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع، وضرورة احترام اختصاص القضاء السوري واستقلاله في إصدار أحكامه وفق القانون والأدلة الثابتة في الدعاوى.
وشددت النقابة على أن بناء دولة القانون يستند إلى احترام المواثيق والمبادئ الحقوقية، بما يستوجب صون حقوق المتهمين وتوفير الضمانات القانونية لهم في مختلف مراحل التقاضي، وبما يتوافق مع معايير العدالة وأصول المحاكمات.
وأكدت أن احترام استقلال القضاء يقتضي عدم الانتقاص من اختصاصه في النظر بالدعاوى والفصل فيها استناداً إلى الأدلة المثبتة والقانون، معتبرة أن أي نقاش يتعلق بالأحكام الصادرة ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار دور السلطة القضائية واختصاصها في تحقيق العدالة.
وتناولت النقابة الموقف الحقوقي الرافض لعقوبة الإعدام، موضحة أن هذا الموقف بوصفه توجهاً حقوقياً عاماً لا ينبغي أن يحجب حق الشعب السوري وضحايا الجرائم الجسيمة في العدالة، أو أن يؤثر في مسار مساءلة المسؤولين ومحاسبتهم بما يحول دون الإفلات من العقاب.
وربطت النقابة ترسيخ العدالة بإيجاد توازن يحفظ حقوق جميع الأطراف، من خلال ضمان المحاكمة العادلة وصون حقوق المتهمين من جهة، وإنصاف الضحايا وتحقيق المساءلة من جهة أخرى، مؤكدة أن العدالة الراسخة تقوم على القانون والأدلة.
واعتبرت في ختام بيانها أن الوصول إلى منظومة عدالة تحفظ حقوق الجميع يتطلب احترام القضاء، وصون حقوق المتهمين، وإنصاف الضحايا، وتكريس مبدأ المساءلة وفق أحكام القانون.
ووصف نقيب محامي سوريا محمد علي الطويل، من جانبه، قرار محكمة الجنايات الرابعة في دمشق القاضي بإصدار أحكام الإعدام بحق بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد وعاطف نجيب، بأنه حدث تاريخي فارق في مسيرة القضاء السوري.
وأكد الطويل، في تصريح لـ”سانا”، أن الأحكام لم تصدر نتيجة لحظات غضب أو بدافع الانتقام، وإنما جاءت تتويجاً شرعياً وقانونياً لصبر أمهات الشهداء والجرحى، وتخليداً لأرواح ضحايا سنوات القهر والمعاناة التي طالت ملايين السوريين.
وشدد على أن سوريا الجديدة لن تشهد وجود منصب أو سلطة تعلو على صوت القانون والعدالة، مؤكداً أن القضاء يتجه نحو مسار أكثر استدامة لجبر جراح الوطن ومنع تكرار مآسي الماضي، ووضع حد لأي عبث بمقدرات الشعب أو انتهاك لحرماته.
وردّت وزارة العدل، بالتوازي مع موقف نقابة المحامين، على تصريحات منظمة العفو الدولية، إذ أصدرت الأربعاء 12 آب 2026 بياناً تناولت فيه الملاحظات المطروحة بشأن الأحكام القضائية وعقوبة الإعدام والمحاكمات الغيابية والإصلاح القضائي.
وأوضحت الوزارة أن المحاكمات نُظرت أمام محكمة جنائية مدنية مختصة، بإشراف قضاة مؤهلين ومشاركة الضحايا وممثليهم وفق الأصول القانونية، مع مراعاة الضمانات الدستورية والقانونية والقواعد المرتبطة بالقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
وأكدت أن الأحكام بُنيت على وقائع وأدلة وملفات قضائية، مع ضمان حقوق الدفاع وإتاحة سبل الطعن والاعتراض وفق الإجراءات النافذة، مشيرة إلى أن ما شهدته سوريا خلال سنوات طويلة من جرائم وانتهاكات يضع على الدولة مسؤولية قانونية وأخلاقية لتحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين.
وبيّنت الوزارة أن القيام بهذه المسؤولية لا يعني تجاوز الضمانات القانونية أو الانتقاص من حقوق أي طرف في الدعوى، إذ تجري عملية تحقيق العدالة ضمن مؤسسات الدولة واختصاصاتها، بما يكفل للضحايا حقهم في الإنصاف، ويحفظ للمتهمين حقهم في المحاكمة وفق القانون.
وأشارت إلى أن عقوبة الإعدام منصوص عليها في القانون السوري، ولا يمكن فرضها إلا بحكم قضائي يستند إلى القانون والأدلة والوقائع، ويخضع لجملة من الإجراءات والضوابط القانونية المحددة.
وأوضحت أن إجراء المحاكمات غيابياً، عندما يسمح القانون بذلك وتتحقق شروطه، لا يؤدي بحد ذاته إلى انتفاء ضمانات العدالة أو المساس بمشروعية الإجراءات القضائية.
ولفتت الوزارة إلى أن الأحكام حظيت بترحيب واسع في أوساط السوريين باعتبارها خطوة في اتجاه المساءلة وإنصاف الضحايا، مؤكدة استمرار القضاء السوري في تطبيق القانون ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم بعيداً عن منطق الانتقام والثأر.
وأكدت أن سيادة القانون واستقلال القضاء يشكلان الركيزة الأساسية لإدارة العدالة في سوريا، موضحة أن مسار الإصلاح القضائي الجاري يهدف إلى تعزيز استقلال القضاء وضمان المحاكمة العادلة، إلى جانب تطوير التشريعات والمؤسسات القضائية وتعزيز ثقة المواطنين بالقضاء والحد من الإفلات من العقاب.
وأبدت وزارة العدل انفتاحها على الحوار مع المنظمات الحقوقية الدولية والاستماع إلى الملاحظات التي من شأنها الإسهام في تطوير منظومة العدالة، مع تأكيدها أن تقييم الإجراءات القضائية والفصل في الدعاوى وتحديد المسؤوليات والعقوبات يظل من اختصاص القضاء السوري.
وأوضح وزير العدل الدكتور مظهر الويس، في وقت سابق، أن صدور أحكام الإعدام لا يعني تنفيذها مباشرة، إذ تمر عملية التنفيذ بالمراحل القانونية المقررة، مؤكداً أن محكمة النقض غير مقيدة بمدة زمنية محددة لإصدار قرارها النهائي.
وبيّن الويس أن الأحكام لا تزال بحاجة إلى استكمال مراحل الطعن والمراجعة والمصادقة التي ينص عليها القانون، ضمن الإجراءات القانونية المتبعة قبل الوصول إلى مرحلة التنفيذ.
وتضع المواقف الصادرة عن نقابة المحامين ووزارة العدل، إلى جانب تصريحات المسؤولين القانونيين، الأحكام بحق رموز نظام الأسد البائد ضمن مسار يرتكز على المساءلة وتحقيق العدالة، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضمان حقوق المتهمين وإنصاف الضحايا، واحترام استقلال القضاء واختصاصه في الفصل بالدعاوى وفق القانون.
المزيد...