آبار وينابيع حمص القديمة.. ذاكرة تحفظ حكايات الماء والمكان

شكّلت الآبار والينابيع القديمة على مدى عقود طويلة عصب الحياة في قرى حمص، فمن مياهها ارتوى السكان وسُقيت الحيوانات والمزروعات، وحولها نشأت عادات اجتماعية وحكايات شعبية بقيت حاضرة في ذاكرة الأهالي، قبل أن تتغير وسائل تأمين المياه مع انتشار المضخات والشبكات الحديثة.
وأوضح المهندس رامي الدويري، عضو الجمعية التاريخية السورية، في تصريح لصحيفة «العروبة»، أن الآبار والينابيع القديمة في قرى حمص تشكل جزءاً أصيلاً من الهوية التراثية والذاكرة الجمعية لأهالي المنطقة، مشيراً إلى أنها ظلت لعقود محوراً للحياة اليومية والأنشطة الزراعية والاجتماعية، قبل تطور شبكات المياه الحديثة.
ينابيع روت القرى
وانتشرت في أرياف حمص الغربية والشمالية، ولا سيما في منطقة وادي النضارة وريف القصير وتلبيسة، عيون وينابيع طبيعية عذبة اعتمد عليها الأهالي سنوات طويلة لتأمين احتياجاتهم من مياه الشرب والري.
وبرزت من بين تلك المصادر عين العجوز وعين العبد، بوصفهما من الينابيع التاريخية التي أسهمت في تلبية احتياجات القرى المجاورة من مياه الشرب والري، إلى جانب عين التنور التي تعد من أنقى وأغزر ينابيع المنطقة، وأدت دوراً تاريخياً مهماً في تزويد مدينة حمص وقراها بالمياه العذبة.
واكتسبت هذه الينابيع أهميتها أيضاً من أنماط الحياة والعادات والتقاليد التي نسجتها المجتمعات المحلية حولها، ما جعلها جزءاً أساسياً من المشهد الريفي وذاكرته، وليس مجرد مصادر للحصول على المياه.
آبار في الصخر تروي براعة الإنسان
وضمّت العديد من قرى وبلدات حمص، إلى جانب الينابيع الطبيعية، آباراً محفورة في الصخر تعود إلى العصور الرومانية والبيزنطية، وتميزت بطابع معماري اعتمد على الحجر البازلتي الأسود أو الحجر الكلسي، بما يعكس خبرة الإنسان القديم في التعامل مع طبيعة المنطقة والاستفادة من مواردها.
واعتمدت هذه الآبار على جمع مياه الأمطار أو على حوامل مائية جوفية سطحية، لتوفر مورداً مهماً للسكان، ولا سيما في المناطق التي لم تكن تتوافر فيها الينابيع بصورة دائمة.
وحفظت الذاكرة الشعبية أسماء محلية لعدد من هذه الآبار ارتبطت بالمكان أو الأشخاص، من بينها بئر المزرعة وبئر القريتين، إضافة إلى آبار حملت أسماء مناطق أخرى، مثل آبار النبك والتنف في المناطق الجافة، لتبقى تسمياتها شاهدة على علاقة الإنسان بالماء والمكان عبر الزمن.
ملتقى للحياة الاجتماعية
وشكّلت الآبار والينابيع فضاءات اجتماعية تتجاوز وظيفتها في توفير المياه، إذ كانت عملية نشل الماء ونقله بالجرار جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية، يشارك فيها النساء والشباب، ويتبادلون خلالها الأخبار والأحاديث، فيما تصدح الأهازيج والأغاني الشعبية والتراث الغنائي السوري.
وارتبطت مصادر المياه كذلك بالزراعة التقليدية ورعاية الماشية، فتحولت إلى نقاط تجمع لسقاية الحيوانات، وأسهمت في تغذية قنوات الري البسيطة المعروفة بـ«السواقي»، التي استخدمها الأهالي لري البساتين والمقاثي المجاورة.
وتحوّلت هذه المواقع مع مرور الوقت إلى مساحات تتقاطع عندها متطلبات الحياة اليومية مع العلاقات الاجتماعية، لتختزن في الذاكرة الجماعية صوراً من حياة الأهالي وعاداتهم وتقاليدهم وتفاصيل يومياتهم.
حكايات نسجتها الذاكرة الشعبية
وأحاطت بالعديد من الآبار والينابيع قصص وحكايات تناقلتها الأجيال، فلم تقتصر الذاكرة الشعبية المرتبطة بها على استخدامها اليومي، بل امتدت إلى روايات ارتبط بعضها بما كان يُعتقد أنه بركة للماء، فيما ربطت حكايات أخرى بعض الينابيع بأولياء أو بأحداث تاريخية شهدتها القرى.
واكتسبت مصادر المياه القديمة، بفعل تلك الروايات المتوارثة، بعداً ثقافياً تجاوز وظيفتها الأساسية، وأصبحت جزءاً من الحكاية الشعبية وذاكرة المكان، ومن الروايات التي انتقلت بين الأجيال وحفظت جانباً من تاريخ المجتمعات المحلية.
الجفاف والشبكات الحديثة يبدلان المشهد
وتراجعت الوظيفة الأساسية للعديد من الآبار والينابيع مع اتساع رقعة الجفاف وانخفاض منسوب المياه الجوفية، بالتزامن مع دخول مضخات المياه الحديثة وشبكات المياه الحكومية، ما أدى إلى جفاف عدد من العيون وتوقف آبار قديمة عن الاستخدام الفعلي بعد سنوات طويلة من اعتماد السكان عليها.
واحتفظت هذه المواقع، رغم تراجع دورها المباشر في تأمين المياه، بقيمة معمارية وأثرية، فتحولت إلى شواهد على الموروث العمراني والهندسي الشعبي، وإلى معالم توثق جانباً من قدرة الإنسان على التكيف مع بيئته واستثمار مواردها المتاحة.
وباتت الآبار والينابيع القديمة أيضاً رموزاً توثيقية تستقطب اهتمام الباحثين والإعلاميين المعنيين بالتراث، الذين يحرصون على تدوين تاريخها وأسمائها والحكايات المرتبطة بها، بهدف الحفاظ عليها من الاندثار وإبقاء حضورها في السجل الثقافي لمحافظة حمص.
ذاكرة الماء تستحق الحماية
وبقيت الآبار والينابيع القديمة، رغم تبدل أنماط الحياة ووسائل الحصول على المياه، شاهدة على مرحلة كان فيها الماء محور الحياة ومفتاح الاستقرار في الريف الحمصي، إذ لا تختزن كل بئر أو عين تاريخاً مائياً فحسب، وإنما تحمل أيضاً ذاكرة الناس وأصواتهم وأعمالهم وحكاياتهم وتفاصيل حياتهم اليومية.
وتبرز أهمية توثيق هذه المواقع والحفاظ على أسمائها وقصصها وما تبقى من معالمها، باعتبارها جزءاً من التراث المادي واللامادي لمحافظة حمص، وذاكرة حية تروي علاقة الإنسان بالماء، وكيف صنع منه سبباً للحياة، ومن المكان حكاية بقيت حاضرة في وجدان الأجيال.
العروبة- هيا العلي

المزيد...
آخر الأخبار
وزير الإعلام السوري يشارك في منتدى TRT World Forum بإسطنبول لمناقشة التحولات الدولية والتحديات العال... مزارعو حمص بين ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف العائد.. أين تذهب أرباح المحاصيل؟ وزارة النقل: 2.2 مليون طن حركة الشحن في تشرين الأول و60 نقطة لمراقبة الحمولات بين ورش العمل وبسطات البيع ورعاية الإخوة.. أطفال يحملون أعباء تفوق أعمارهم حين فرّقت الحرب جيران العمر.. ذاكرة الحارات الحمصية تبحث عن وجوهها الغائبة حكايات عاطفية ومظاهر مترفة.. هل تعكس المسلسلات المعربة حياة المشاهدين؟ المركزي السوري ينظم العمولات والرسوم المصرفية.. حظر رسوم توطين الرواتب والاشتراكات التلقائية النشرة الرياضية: فوز نادي خالد بن الوليد في دوري الدرجة الأولى ومشاركة سورية مرتقبة في شطرنج آسيا أمام مجلس الاتحاد الأوروبي.. سوريا تطرح رؤية للتعاون الأمني والتمويل التنموي وعودة اللاجئين اقتصاد العروبة: ارتفاع الذهب واستقرار الصرف وتحركات لتنظيم النشاط التجاري في حمص