العروبة- خاص
في مثل هذا اليوم، 15 آب/أغسطس 2011، شيّعت مدينة حمص الصيدلاني الشاب جمال الفتوى، بعد مقتله تحت التعذيب في سجون نظام الأسد البائد، في جنازة شارك فيها الآلاف، وتحولت إلى واحدة من المشاهد التي بقيت حاضرة في ذاكرة أبناء المدينة والثورة السورية.
خرجت الحشود من جامع المريجة في حي باب السباع الشهير بأنه أحد حواضن الثورة السورية ورافق المشيعون جثمان جمال وسط هتافات وشعارات عبّرت عن غضبهم ورفضهم للاعتقال والتعذيب والقمع.
وردد المشيعون الكثير من شعارات الثورة منها “على الجنة رايحين.. شهداء بالملايين”، كما هتفوا “يا جمال نام وارتاح.. والله لنكمل الكفاح”، وكان الشهيد عبد الباسط الساروت من بين المشاركين في التشييع، وردد مع الحشود شعار “صمتكم يقتلنا.. وغير الله مالنا”، في مشهد ارتبط لاحقاً بذاكرة حمص خلال بدايات الثورة السورية.
وفي الليلة التي سبقت التشييع، تجمع عدد كبير من أبناء حمص أمام منزل الشهيد، مرددين الهتافات باسمه وفداء له، قبل أن تخرج الحشود في اليوم التالي لتشييعه من جامع المريجة.
وجمال الفتوى صيدلاني من أبناء حمص، عُرف بين أهله وذويه بأخلاقه وكرمه وبرّه، واعتُقل، واعتقلته مخابرات النظام البائد في ثاني أيام شهر رمضان عام 2011، أثناء عودته إلى منزله، قبل أن ينقل إلى فرع أمن الدولة، حيث توفي لاحقاً تحت التعذيب.
وكانت من أكثر لحظات التشييع تأثيراً الرسالة التي كتبتها والدته بخط يدها، وتليت على المصلين في المسجد، وحملت كلمات وداع مؤثرة لابنها الذي فقدته داخل السجن.
وقالت والدته في رسالتها: “ولدي الحبيب… لقد صدقت الله فصدقك، وطلبت الشهادة في رمضان فنلت منزلتها”، مستذكرة صفاته بقولها: “عرفتك، كريماً، بارّاً، تقياً، شهماً”، وفي رسالة تختصر ألم الأم وفقدها، قالت: “يا نور عيني ويا مهجة فؤادي… رضي الله عنك وأرضاك، وأسكنك مع أحبابك فسيح جناته”.
واختتمت وصيتها بعبارة بقيت من أكثر تفاصيل الرسالة تأثيراً: “لا تنس يا جمال… سلّم لي على رسول الله” وشكلت لحظة ظهور والدته وهي تنعى ابنها وتدعو له عبر مذياع، بينما يردد المشيعون خلفها، مشهداً إنسانياً مؤثراً، امتزجت فيه مشاعر الفقد مع حالة الغضب التي كانت تعيشها المدينة، وتحول التشييع إلى سيل بشري غاضب.
ولم تتوقف مأساة عائلة الفتوى عند جمال، إذ استشهد شقيقه عبد الرحمن لاحقاً تحت التعذيب أيضاً، لتصبح العائلة واحدة من بين الكثير من عائلات حمص التي دفعت ثمناً باهظاً خلال سنوات القمع والاعتقال.
وبعد خمسة عشر عاماً على تشييعه، يستعيد أهالي حمص ذكرى جمال الفتوى، مستحضرين جنازته التي شارك فيها الآلاف، وهتافات المشيعين، ورسالة والدته التي تحولت إلى جزء من الذاكرة الإنسانية للمدينة.
ويبقى 15 آب 2011 تاريخاً حاضراً في ذاكرة حمص يوم خرجت فيه الحشود لوداع شاب قضى تحت التعذيب، فكان تشييعه شاهداً على مرحلة مبكرة من الاحتجاجات، وعلى مدينة بدأت آنذاك تواجه واحدة من أقسى مراحل تاريخها الحديث.