كشفت اختصاصية الجاهزية للأزمات في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي جويل سيمي بارك عن ملامح عودة تدريجية للحياة في عدد من المناطق السورية المتضررة، مع تقدم أعمال إزالة الركام وفتح الطرق واستعادة الخدمات، مؤكدة أن التخلص من آثار الدمار يمثل خطوة أساسية لتمكين السكان من العودة إلى أحيائهم واستعادة مصادر عيشهم.
وأوضحت بارك، عقب زيارة أجرتها مؤخراً إلى سوريا للاطلاع على مشاريع التعافي، أن مشروع «إحياء» (Revive)، الذي ينفذه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مع شركائه، يعمل على إزالة 570 ألف طن من الركام في حلب ودير الزور وحمص وريف دمشق.
وبيّنت أن المشروع لا يقتصر على رفع الأنقاض، بل يترافق مع إعادة تأهيل الطرق وشبكات المياه والصرف الصحي، والتوعية بمخاطر الذخائر غير المنفجرة، إلى جانب دعم مبادرات لإعادة تدوير الحطام والاستفادة منه في إنتاج مواد للبناء.
وربطت المسؤولة الأممية بين إزالة الركام وإمكانية استعادة الحياة في الأحياء المتضررة، مشيرة إلى أن فتح الطرق يعيد حركة السكان ويتيح الوصول إلى المناطق المعزولة، ويساعد العائلات على العودة إلى منازلها، كما يمهد الطريق لإصلاح البنية التحتية والخدمات الأساسية.
الركام مصدر للعمل أيضاً
ولفتت بارك إلى أن عمليات التعافي وفرت في الوقت ذاته فرصاً للحصول على الدخل، إذ شارك أكثر من 1300 شخص حتى الآن في أنشطة «النقد مقابل العمل» المتعلقة بإزالة الركام، الأمر الذي ساعد في إعالة أكثر من 6000 فرد من أفراد أسر المشاركين.
ونقلت تجربة امرأة تعمل في منشأة لإعادة تدوير الحطام في حلب، تمكنت من خلال المشروع من الحصول على مصدر دخل بعد أن كانت عاجزة عن إعالة أسرتها، وأصبحت قادرة على توفير الغذاء والدواء لأطفالها ولأبناء وبنات إخوتها وأخواتها، فيما عاد أفراد الأسرة جميعاً إلى المدرسة.
وأشارت بارك إلى أن أثر إزالة الأنقاض امتد في بعض المناطق إلى إطلاق مبادرات محلية جديدة، موضحة أن أحد المتطوعين المجتمعيين في حلب تحدث عن مبادرة للسكان لإعادة بناء متنزه وإنارة الشوارع عقب رفع الركام، بهدف توفير مساحة يستطيع الأطفال والنساء ارتيادها بعد انتهاء اليوم الدراسي في أجواء آمنة وهادئة.
أحياء تعزلها الأنقاض
ووصفت بارك، في مشاهدات نشرها مركز أخبار الأمم المتحدة اليوم السبت، واقع أحد أحياء ريف دمشق، حيث غطت أكوام الخرسانة المحطمة والمعادن الملتوية مساحات واسعة، وأغلقت الطرق، وعرقلت إمكانية إصلاح شبكات المياه والصرف الصحي، فيما واجهت الكهرباء والخدمات الأساسية صعوبات في العودة إلى العمل.
وأكدت أن استمرار هذا الواقع يبقي مجتمعات كاملة في حالة من العزلة، مشيرة إلى أن رفع الكميات الكبيرة من الأنقاض يحتاج إلى معدات وتخطيط وتنسيق، فضلاً عن توفير دعم مستمر لإنجاز الأعمال المطلوبة.
أكثر من 100 مليار دولار أضراراً
وأشارت المسؤولة الأممية إلى أن الحرب التي تسبب بها نظام الأسد البائد أودت بحياة مئات الآلاف من الأشخاص، وأدت إلى نزوح الملايين، كما خلّفت أضراراً جسيمة في البنية التحتية بمختلف أنحاء البلاد، تُقدر تكلفتها بأكثر من 100 مليار دولار.
وأكدت أن ما شاهدته خلال جولتها أظهر إصرار المجتمعات المحلية على تجاوز آثار سنوات الحرب، إذ يعمل السكان على إزالة الركام وإعادة بناء أحيائهم واستعادة سبل عيشهم، لافتة إلى أنها شاهدت أشخاصاً يرفعون الأنقاض من منازلهم بأيديهم العارية.
وشددت بارك على أن أهمية هذه الجهود لا تُقاس فقط بحجم الركام الذي تتم إزالته أو بالدخل الذي توفره، وإنما بما تمنحه للسكان من شعور بالمشاركة في إعادة إحياء مناطقهم، ورؤية نتائج ملموسة بعد سنوات طويلة من الدمار وتعطل الحياة.
وخلصت إلى أن إزالة الركام تمثل بداية لمسار أوسع من التعافي، يبدأ بإعادة فتح الشوارع، ويمتد إلى استعادة الخدمات ومصادر الدخل وعودة العائلات، وصولاً إلى مساعدة المجتمعات المحلية على استعادة نمط حياتها الطبيعي.
وتشهد مناطق وبلديات عدة في مختلف أنحاء سوريا، منذ التحرير، مبادرات وحملات لإزالة الأنقاض ومخلفات الحرب التي تسبب بها نظام الأسد البائد، بالتعاون مع وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث ومديرياتها في المحافظات والمجالس المحلية، ضمن جهود التعافي وإعادة الإعمار وتحسين الخدمات والمظهر العام.
المزيد...