تستعيد حقول الريف السوري، مع موسم حصاد القمح الأخضر، طقساً زراعياً وغذائياً توارثته العائلات جيلاً بعد آخر، سنابل تُحصد قبل اكتمال نضجها، ونار تُشعل لتحميصها، ثم حبات تُنظف وتُفرك لتتحول إلى «فريكة»، إحدى الأكلات التي تجاوزت كونها جزءاً من المطبخ السوري، لتصبح ذاكرة مرتبطة بالأرض ومواسمها وطقوس العمل الجماعي.
وتحضر الفريكة اليوم على الموائد طوال العام، إلا أن حكايتها بالنسبة لكثير من النساء لا تزال تبدأ من الحقل، حيث كانت عملية إعدادها تجمع أفراد العائلة، وتختزن في تفاصيلها خبرات الأمهات والجدات وذكريات موسم الحصاد.
أمينة.. ذاكرة تبدأ من الحقل
تستعيد أمينة، وهي سيدة سورية عاصرت مواسم الحصاد منذ طفولتها، تفاصيل إعداد الفريكة وكأنها تعود إلى سنوات بعيدة، حين كان موسم القمح مناسبة تنتظرها العائلات، ليس لمردوده الزراعي فقط، وإنما لما يحمله من طقوس اجتماعية وعائلية.
وتقول أمينة في حديثها لـ«العروبة»: «كنا نعرف أن وقت الفريكة قد حان عندما تبدأ السنابل بالامتلاء وهي لا تزال خضراء، لم تكن المسألة مجرد حصاد، فالوقت كان مهماً جداً، والنساء كنّ يعرفن السنابل المناسبة من شكلها وملمسها».
وتتابع: «بعد الحصاد كنا نجمع السنابل ونبدأ بتحميصها بالنار، هذه المرحلة تحديداً لا يمكن أن أنساها، رائحة السنابل وهي تلامس النار كانت تملأ الحقل، والدخان كان يرافقنا طوال ساعات العمل، كنا نتعب، لكننا كنا نعمل معاً، ولذلك بقيت تلك الأيام في الذاكرة».
وصفت أمينة عملية إعداد الفريكة بأنها سلسلة من التفاصيل التي تتطلب خبرة وصبراً، فبعد تحميص السنابل تأتي مرحلة التبريد والتنظيف والفرك، ثم التخلص من القشور والشوائب قبل تخزين الحبوب.
وأوضحت بقولها: «كانت أمي وجدتي تعرفان كل خطوة، وكنت أراقبهما وأتعلم منهما، لم تكن هناك وصفة مكتوبة، بل كانت المعرفة تنتقل من امرأة إلى أخرى، وحتى طريقة النار ووقت التحميص كانت لهما أسرارهما».
وترتبط تلك المراحل، بالنسبة لأمينة، بطبيعة الحياة الاجتماعية في الريف، إذ كان العمل الجماعي جزءاً من عملية إعداد الفريكة، فتجتمع النساء في الحقول أو البيوت، وتتوزع المهام بين أفراد الأسرة.
أضافت: «كان موسم الفريكة يجمعنا، الرجال يهتمون بالحصاد، والنساء يساعدن في الجمع والتنظيف والتحضير، كنا نتحدث ونضحك ونختلف أحياناً، لكننا كنا ننجز العمل معاً، اليوم تغيرت الحياة، وأصبحت الفريكة موجودة في الأسواق جاهزة، لكن تلك التفاصيل لم تعد موجودة كما كانت».
انتقلت أمينة في حديثها لـ “العروبة” من الحديث عن الحقل إلى المائدة، حيث ترى أن الفريكة لم تكن بالنسبة لها مجرد غذاء، بل جزءاً من المناسبات والضيافة وذاكرة البيت.
وقالت: «عندما كانت أمي تطبخ الفريكة للضيوف، كنا نعرف أن هناك مناسبة مهمة، كانت تُطبخ مع الدجاج أو اللحم، وتوضع في وسط المائدة، ويجتمع حولها الجميع، لذلك عندما أطبخها اليوم أشعر أنني أستعيد شيئاً من بيت أمي».
أكدت أمينة أن أكثر ما تخشاه هو أن تتحول الفريكة إلى طبق معروف بالاسم فقط، بينما تضيع الحكاية التي تقف خلفه، مؤكدة أن الجيل الجديد يعرف طعمها، لكنه قد لا يعرف كيف كانت تصل إلى المطبخ.
وختمت حديثها قائلة: «أريد لأبنائي أن يعرفوا أن هذه الحبة التي يأكلونها اليوم بدأت من سنبلة خضراء، وأن وراءها تعب ناس وعمل أمهات وذكريات عائلات، الطعام ليس فقط ما نضعه في الطبق، بل القصة التي يحملها معه».
وتكتسب طقوس إعداد “الفريكة” قيمة اجتماعية لارتباطها بالعمل العائلي الجماعي، إذ أسهمت مشاركة أفراد الأسرة وتقاسم المهام في نقل الخبرة من جيل إلى آخر، ولا سيما المعارف المتعلقة باختيار السنابل ودرجة تحميصها وتنظيف الحبوب وحفظها.
وتعكس الفريكة بذلك جانباً من الموروث الغذائي المرتبط بالبيئة الزراعية السورية، حيث تتداخل الحرفة التقليدية مع ذاكرة المكان والعائلة، لتبقى الأطعمة الشعبية شاهداً على عادات اجتماعية وممارسات رافقت حياة الريف ومواسمه عبر الأجيال.
العروبة – بشرى عنقة
المزيد...