من «كان يا ما كان» إلى شاشة الهاتف.. كيف تغيرت حكاية ما قبل النوم؟

العروبة – خاص
شكّلت حكاية ما قبل النوم، لسنوات طويلة، واحداً من أكثر الطقوس العائلية قرباً إلى ذاكرة الطفولة، إذ كان الأطفال يلتفون حول الجدة بانتظار عبارتها المعتادة «كان يا ما كان…»، لتبدأ رحلة صغيرة تأخذهم كل ليلة إلى عالم جديد من الشخصيات والأحداث والخيال.
وحملت تلك الحكايات ما هو أبعد من التسلية وتمضية الوقت قبل النوم، فقد تحولت كلمات الجدة إلى مدرسة بسيطة يتعرف الطفل من خلالها إلى معاني الخير والشجاعة والوفاء، ويميز بين الصواب والخطأ، ويكتشف عوالم لم يصل إليها إلا عبر صوتها وتعبيرات وجهها وطريقتها في السرد.
ومنحت جلسات الحكاية الطفل مساحة من الإصغاء والاهتمام يصعب فصلها عن شعوره بالأمان، كما صنعت لحظات حميمة جمعت أفراد الأسرة حول قصة واحدة، لتبقى تفاصيلها وصورها وما تحمله من قيم ومشاعر حاضرة في الذاكرة حتى بعد انتهاء أحداثها.
وتغيّر هذا المشهد مع اتساع حضور التكنولوجيا في حياة الأطفال، فلم تعد الحكاية مرتبطة بموعد تنتظر فيه الجدة أحفادها، إذ باتت شاشة الهاتف أو الجهاز اللوحي قادرة خلال ثوانٍ على تقديم عشرات القصص المصورة والألعاب ومقاطع الفيديو.
واختصرت التكنولوجيا المسافة بين الطفل والعالم، وفتحت أمامه أبواباً واسعة للتعلم والمعرفة، لكنها اختصرت في أحيان كثيرة أيضاً المسافة بينه وبين أفراد أسرته، عندما تحولت الشاشة من وسيلة يمكن الاستفادة منها إلى رفيق دائم يحتل لحظات كانت مخصصة للحديث والتواصل والخيال.
ولا تكمن المشكلة في التكنولوجيا بحد ذاتها، بقدر ما تظهر عندما تأخذ مكان الحكاية الإنسانية بالكامل، فيفقد الطفل جانباً من ذلك التفاعل المباشر الذي تمنحه له نبرة الصوت ونظرات الوجه والأسئلة الصغيرة التي تتخلل القصة، وما يصاحبها من دفء وتقارب عائلي.
وتستعيد حكايات الجدات أهميتها من قدرتها على منح الطفل أكثر من قصة، فهي تحمل صوتاً وذاكرة وحناناً، وتنقل شيئاً من تجارب الأسرة وموروثها بين الأجيال، لتصبح جسراً صغيراً يصل الطفل بحكايات من سبقوه.
ويبدو أن استعادة هذا الطقس لا تحتاج إلى إعادة الزمن إلى الوراء أو إبعاد التكنولوجيا عن حياة الأطفال، وإنما إلى إيجاد توازن يعيد للحكاية مكانها إلى جانب الشاشة، ويترك داخل اليوم مساحة يكون فيها أفراد الأسرة أقرب إلى بعضهم.
وتبقى لحظة إطفاء الأجهزة وبدء الجدة حكايتها أكثر من مجرد استعداد للنوم، ففي الوقت الذي تغفو فيه عيون الأطفال على قصة، تستيقظ داخل البيت ذاكرة عائلية تنتقل بهدوء من جيل إلى آخر.

المزيد...
آخر الأخبار