العروبة – خاص
استعاد الطبيب السوري محمد أحمد المحمد، المعروف بـ«طبيب الثورة» و«طبيب بابا عمرو»، ذكريات حصار حي بابا عمرو في مدينة حمص والقصف الذي تعرض له خلال شباط 2012، عقب لقائه المصور الصحفي الفرنسي ويليام دانييلز، الذي عاش معه أيام الحصار برفقة الصحفية الفرنسية إديث بوفييه، في لقاء أعاد إلى الذاكرة تفاصيل العمل الطبي والإعلامي تحت القصف، وحكايات الجرحى والشهداء ورفاق تلك المرحلة.
وحمل اللقاء، الذي جاء بعد نحو 14 عاماً، دلالات إنسانية وتوثيقية، إذ استعاد المشاركون أحداثاً بقيت حاضرة في ذاكرتهم، واستعرضوا مقتنيات نجت من سنوات الحرب، ارتبطت بالمشفى الميداني والمركز الإعلامي والصحفيين الذين نقلوا معاناة المدنيين إلى العالم.
وقال المحمد، في منشور عبر صفحته الشخصية على فيسبوك، إن اللقاء أعاده إلى أصوات القذائف وأنين الجرحى ووجوه الشهداء وذكريات المشفى الميداني، مؤكداً أن مرور السنوات لم يمحُ تفاصيل تلك الأيام، وأن بعض الجروح تبقى حاضرة مهما طال الزمن.
مقتنيات نجت من الحصار
استعرض المحمد خلال اللقاء مجموعة من المقتنيات التي ارتبطت بأحداث بابا عمرو، بينها أول كاميرا استُخدمت في توثيق أحداث الثورة داخل الحي، وهاتف الصحفية الأمريكية ماري كولفين، التي قُتلت في قصف استهدف المركز الإعلامي يوم 22 شباط 2012، إضافة إلى محقن طبي بقي من المشفى الميداني الذي كان يستقبل الجرحى والمصابين خلال الحصار.
وأشار إلى أن المحقن ما زال يحمل غبار مبنى المشفى الميداني، الذي تبرع به أهالي الحي من بيت زعيب لدعم العمل الطبي وإسعاف المصابين في ظل الظروف الصعبة التي شهدتها المنطقة.
وأوضح المحمد أن حسن عنجاري، مدير المكتب الإعلامي لحي بابا عمرو، احتفظ بهذه المقتنيات طوال السنوات الماضية، لتبقى شاهدة على جهود الكوادر الطبية والإعلامية والناشطين الذين عملوا خلال الحصار.
كاميرا وثّقت أحداث الثورة
من جانبه، استعاد حسن عنجاري، في منشور عبر صفحته الشخصية على فيسبوك، حكاية الكاميرا التي استُخدمت في توثيق أحداث الثورة داخل بابا عمرو، ودورها في نقل الوقائع ومواجهة التعتيم الإعلامي الذي فرضه النظام البائد.
وأشار إلى أن الكاميرا حملها عدد من العاملين في المكتب الإعلامي، بينهم الناشط خالد أبو صلاح والشهيدان علي عثمان وحمزة عثمان، الذين شاركوا في توثيق ما شهده الحي من أحداث.
وتحدث عنجاري عن أهمية هذه المقتنيات في حفظ ذاكرة العمل الإعلامي خلال الحصار، واستحضار أسماء الأشخاص الذين أسهموا في إيصال صور القصف ومعاناة المدنيين إلى وسائل الإعلام.
المشفى الميداني.. ذاكرة الجرحى والأطباء
استعاد عنجاري الدور الذي أداه المشفى الميداني في بابا عمرو خلال الحصار، والجهود التي بذلها الطبيب محمد المحمد في علاج الجرحى والمصابين، بمن فيهم صحفيون أجانب تعرضوا للإصابة أثناء تغطيتهم الأحداث.
وأوضح أن المحقن الطبي المعروض خلال اللقاء يمثل أحد الآثار التي بقيت من المشفى الميداني بعد تعرضه للنهب، ويحمل جانباً من ذاكرة العمل الطبي في تلك المرحلة.
كما أشار إلى جهاز الإيكو الذي أُدخل إلى المشفى الميداني، واستخدمه العاملون فيه لتصوير إصابات الجرحى وتقييم حالاتهم، بما في ذلك إصابات الصحفيين الأجانب الذين كانوا موجودين داخل الحي المحاصر.
وتعيد هذه التفاصيل التذكير بالظروف التي واجهتها الكوادر الطبية خلال الحصار، مع استمرار تدفق المصابين والحاجة إلى تقديم الإسعافات والعلاج في ظل القصف والمخاطر المحيطة بالمشفى.
ماري كولفين.. هاتف بقي شاهداً على الحكاية
كان هاتف الصحفية الأمريكية ماري كولفين من أبرز المقتنيات التي حضرت خلال اللقاء، مستعيداً ذكرى مراسلة صحيفة «صنداي تايمز» البريطانية، التي دخلت إلى بابا عمرو المحاصر لتغطية معاناة المدنيين ونقل ما يجري إلى العالم.
وقُتلت كولفين مع المصور الصحفي الفرنسي ريمي أوشليك في 22 شباط 2012، إثر قصف استهدف المركز الإعلامي في بابا عمرو، فيما أُصيب المصور البريطاني بول كونروي والصحفية الفرنسية إديث بوفييه والناشط الإعلامي السوري وائل العمر.
وكانت كولفين قد نقلت شهادات عن الأوضاع الإنسانية داخل المناطق المحاصرة عبر وسائل إعلام دولية، مسلطة الضوء على معاناة المدنيين جراء القصف والحصار.
وفي عام 2019، أصدرت محكمة أمريكية حكماً حمّلت فيه حكومة النظام السوري مسؤولية قتل كولفين عمداً، وقضت بتعويض عائلتها بمبلغ 302 مليون دولار.
ويحمل الاحتفاظ بهاتفها دلالة توثيقية على حضور الصحفيين الأجانب في بابا عمرو، والظروف الخطرة التي واجهوها خلال محاولاتهم نقل الأحداث إلى الرأي العام الدولي.
لقاء يستحضر الشهداء ورفاق الحصار
أعاد اللقاء بين المحمد ودانييلز استحضار أسماء ووجوه رفاق تلك المرحلة، ممن قضوا خلال الحصار أو فرّقتهم ظروف الحرب والتهجير، بعد أن جمعتهم أيام العمل الطبي والإعلامي تحت القصف.
وأكد عنجاري أن العلاقة التي نشأت بين العاملين في بابا عمرو والصحفيين الأجانب تجاوزت اختلاف الجنسيات واللغات، وجمعتهم الرغبة في مساعدة المدنيين وتوثيق معاناتهم.
أما المحمد، فعبّر عن أمنيته لو أن جميع رفاق تلك المرحلة كانوا حاضرين في اللقاء، مستذكراً الذين فقدوا حياتهم والذين غيّبتهم سنوات الحرب عن مدينتهم وأهلهم.
وتحمل هذه الذكريات جانباً من التجربة الإنسانية التي عاشها الأطباء والمسعفون والناشطون الإعلاميون والصحفيون داخل الحي المحاصر، حيث تداخلت جهود إنقاذ المصابين مع محاولات توثيق الأحداث ونقلها إلى العالم.
ذاكرة بابا عمرو بعد 14 عاماً
بعد مرور نحو 14 عاماً على أحداث شباط 2012، لا تزال مقتنيات الحصار تحتفظ بقيمتها التوثيقية والإنسانية، بما تحمله من قصص عن العمل الطبي والإعلامي وحياة المدنيين خلال تلك المرحلة.
وتبرز أهمية الاحتفاظ بهذه الشواهد في توثيق تاريخ حي بابا عمرو، وحفظ شهادات الذين عاشوا الحصار وشاركوا في إسعاف الجرحى ونقل الوقائع، بما يتيح للأجيال اللاحقة التعرف إلى تفاصيل تلك الأحداث من خلال روايات أصحابها ومقتنياتهم.
واختتم المحمد استذكاره بتوجيه التحية إلى الشهداء والجرحى والمهجّرين، وإلى كل من وقف إلى جانب أهالي بابا عمرو وأسهم في نقل معاناتهم إلى العالم.
وبينما استعادت حمص جانباً من حياتها بعد سنوات الحرب، بقيت ذاكرة بابا عمرو حاضرة لدى من عاشوا حصارها، لتعيد الكاميرا والهاتف والمحقن الطبي، بعد 14 عاماً، سرد حكايات أشخاص وأحداث تركت آثاراً عميقة في تاريخ الحي وذاكرة أبنائه.